المنشر الاخباري، تشهد إسرائيل في السنوات الأخيرة أزمة عمالة غير مسبوقة، تحولت من تحد قطاعي محدود إلى مشكلة بنيوية تهدد استقرار الاقتصاد واستمرارية مشاريع البنية التحتية الكبرى. وقد برزت هذه الأزمة بوضوح خلال جلسة طارئة عقدتها لجنة العمال الأجانب في الكنيست الإسرائيلي في 19 يناير/كانون الثاني 2026، والتي ناقشت الاستعدادات لتنفيذ مشروع مترو الأنفاق في منطقة غوش دان، أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ الدولة العبرية.
جلسة كنيست تكشف عمق الأزمة
ترأست الجلسة عضو الكنيست إيتي حافا عطية، وشارك فيها ممثلون عن وزارات المواصلات والخارجية والداخلية وهيئة السكان. وخلال الجلسة، كشفت دان لاهف، المسؤولة في وزارة المواصلات والمشرفة على التخطيط، أن المرحلة الأولى من مشروع المترو تتطلب 23,500 عامل أجنبي ماهر، في ظل عجز شبه كامل في توفر الأيدي العاملة المحلية.
وأكدت لاهف أن النقص في العمال الإسرائيليين بلغ آلاف الوظائف، لا سيما في مجالات حفر الأنفاق، وبناء المحطات، وتشغيل المعدات الثقيلة، مشددة على أن الاعتماد على العمالة الأجنبية لم يعد خيارا، بل “ضرورة وطنية لإنجاز المشروع ضمن الجدول الزمني المحدد”.
يعد مترو غوش دان أضخم مشروع نقل عام في تاريخ إسرائيل، إذ تصل تكلفته إلى نحو 65 مليار شيكل (ما يعادل 20 مليار دولار). ويشمل المشروع إنشاء 78 كيلومترا من الأنفاق المزدوجة، و59 محطة، واستخدام 20 آلة حفر عملاقة، إلى جانب تركيب أكثر من 1.25 مليون قطعة خرسانية. وقد انطلقت المرحلة الأولى من المشروع في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مع فتح مناقصات أمام شركات إسرائيلية ودولية.
غير أن التقدم الفعلي للمشروع يواجه عقبات كبيرة، أبرزها نقص العمالة، إلى جانب تحديات أمنية وجيوسياسية تعيق مشاركة بعض الشركات الأجنبية، خاصة الصينية منها، ما يزيد من تعقيد المشهد التنفيذي.
وزارة الخارجية: عجز إداري واضح
خلال الجلسة، أقرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بعدم قدرتها على معالجة عشرات الآلاف من طلبات التأشيرات الخاصة بالعمال الأجانب خلال فترة زمنية قصيرة. وأوضح ممثلو الوزارة أن عدد القنصليات الإسرائيلية حول العالم محدود، ولا يملك القدرة البشرية أو التقنية للتعامل مع هذا الحجم الضخم من الطلبات.
وأدى هذا الاعتراف إلى جدل حاد داخل اللجنة، حيث حذرت إيتي حافا عطية من أن البيروقراطية قد تؤدي إلى شلل فعلي في المشروع، مؤكدة أن “المترو مشروع وطني من الدرجة الأولى ويتطلب معاملة استثنائية وتنسيقا كاملا بين الوزارات”.
واستذكرت عطية جولات سابقة قامت بها اللجنة في مطار بن غوريون، حيث تم رصد ضعف في أنظمة الاستقبال ونقص في عدد المفتشين، مطالبة بتوظيف كوادر إضافية وتحديث الأنظمة الرقمية لتسريع الإجراءات.
جذور أزمة العمالة
تعود جذور أزمة العمالة الحالية إلى عدة عوامل متراكمة، أبرزها تداعيات هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أدت إلى منع نحو 100 ألف عامل فلسطيني من دخول إسرائيل، ما تسبب بشلل شبه كامل في قطاع البناء.
ورغم استقدام نحو 30 ألف عامل أجنبي منذ بداية عام 2025 من دول مثل سريلانكا، وتايلاند، وفيتنام، والهند، فإن هذه الأعداد لم تكن كافية لسد الفجوة المتزايدة، خاصة في قطاعات البناء، والزراعة، والرعاية الصحية.
واقترحت جمعية شركات استقدام العمالة الأجنبية في قطاع البناء إلغاء بعض مراحل الاختبارات المهنية المسبقة، بهدف تقليص مدة الانتظار إلى النصف، ما قد يسمح بدخول ما يقارب 40 ألف عامل إضافي خلال فترة قصيرة بعد الأعياد.
كما دعت اللجنة إلى خفض الرسوم المفروضة على تشغيل العمال الأجانب بنسبة 50%، معتبرة أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى خفض أسعار الشقق بنسبة تتراوح بين 4 و5%، في ظل أزمة السكن الخانقة في منطقة غوش دان.
تداعيات اقتصادية خطيرة
يحمل استمرار النقص في العمالة تداعيات مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي. فالتأخير في تنفيذ مشروع المترو يعني ارتفاعا كبيرا في التكاليف، وتأجيلا لحل أزمة المواصلات، واستمرار الضغط على سوق الإسكان الذي يشهد ارتفاعا حادا في الأسعار بسبب تباطؤ البناء.
وأكدت عطية خلال الجلسة أن “إسرائيل في حاجة يائسة إلى العمال”، مشيرة إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على مشروع المترو، بل تمتد إلى معظم القطاعات الحيوية.
وفي جلسات سابقة، ناقشت اللجنة تسريع إجراءات البصمات وتوقيع العقود في بلدان المنشأ، وتقليص البيروقراطية عبر نقل جزء من الفحوصات الأمنية والإدارية إلى الخارج. كما طرح مقترح لتعزيز هيئة السكان والهجرة بموظفين جدد عبر اتفاقيات رواتب خاصة.
مستقبل المشروع والاقتصاد
خلصت الجلسة إلى جملة توصيات أبرزها تخصيص ميزانيات عاجلة لتحديث الأنظمة، وتعزيز التنسيق بين الوزارات، وتقليل الاعتماد مستقبلا على العمال الفلسطينيين عبر توسيع اتفاقيات العمالة مع الدول الآسيوية.
ورغم إمكانية تحقيق حلول جزئية على المدى القصير، تبقى التحديات الجيوسياسية والأمنية عاملا ضاغطا قد يعرقل التنفيذ الكامل. ويكشف مشروع مترو غوش دان، بما يحمله من أهمية استراتيجية، هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي أمام أي نقص في القوى العاملة.
ومع تزايد الاعتماد على العمالة الأجنبية، تبرز في المقابل مخاوف أمنية واجتماعية جديدة، ما يجعل أزمة العمالة إحدى أخطر القضايا التي ستواجه إسرائيل في السنوات المقبلة، ليس فقط كمشكلة تشغيلية، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي ومشاريعها الوطنية الكبرى.










