قناة السويس في اختبار الثقة: لماذا ما زالت السفن العملاقة تتجنب المرور من مصر؟
رغم مرور أسابيع على إعلان السلطات المصرية استقرار حركة الملاحة في قناة السويس، فإن كبريات شركات الشحن العالمية ما زالت تتردد في استئناف رحلاتها عبر هذا الشريان الحيوي للتجارة الدولية، مفضلة طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة على العودة إلى الممر المصري الذي يختصر المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو عشرة أيام.
يأتي هذا الحذر في ظل توترات أمنية متصاعدة بالبحر الأحمر ومخاوف من تعرض السفن لهجمات أو تهديدات على طول المجرى، لا سيما بعد تعدد حوادث الاستهداف في الأسابيع الماضية، والتي دفعت شركات النقل البحري إلى اتخاذ قرارات عاجلة بتحويل وجهتها البحرية.
تصاعد القلق رغم التطمينات
وزارة النقل وهيئة قناة السويس أعلنتا مرارًا أن الممر الملاحي آمن وتحت حماية كاملة، مع تعزيز الوجود العسكري وتأمين المجرى بالمراقبة الجوية والبحرية. وأكدت تقارير رسمية مصرية أن حركة السفن مستمرة دون توقف، وأن نسبة التأخير أو التحويل تقل تدريجيًا مع تحسن الأوضاع الإقليمية.
مع ذلك، تشير بيانات ملاحية حديثة إلى أن عودة الشركات العالمية الكبرى، مثل “ميرسك” و“هاباغ لويد” و“إم إس سي”، ما زالت محدودة مقارنة بحجمها المعتاد قبل الأزمة، وسط استمرار الجدال داخل هذه الشركات حول جدوى المخاطرة بالعبور من القناة في ظل توترات المنطقة.
ضغوط تأمينية ومخاوف تشغيلية
يقول خبراء الشحن إن شركات التأمين تلعب دورًا حاسمًا في هذا التردد، إذ ارتفعت أقساط التأمين على السفن العابرة لقناة السويس إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية عام 2023، نتيجة تصنيف بعض المناطق البحرية المجاورة كـ“مناطق عالية الخطورة”.
ويرى محللون بحريون أن شركات التأمين ترفض خفض الأسعار قبل ثبوت استقرار الوضع الأمني لفترة ممتدة تتجاوز ثلاثة أشهر على الأقل، وهو ما يجعل العبور من القناة خيارًا مكلفًا مقارنة بالطرق البديلة، رغم طول المسافة عبر رأس الرجاء الصالح.
ويضيف هؤلاء أن “الشركات لا تنظر فقط إلى الخطر المباشر، بل إلى تأثيراته الاقتصادية، مثل تأخير تسليم الحمولات أو تعطل سلاسل التوريد العالمية”.
تأثير اقتصادي مباشر على مصرتُعد إيرادات قناة السويس من أهم مصادر النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري، إذ تجاوزت في عام 2023 حاجز 9 مليارات دولار وفقًا لتقارير رسمية.
لكن التحديات الحالية تهدد بتراجع هذا الرقم خلال الربع الأول من 2026 إذا استمر العزوف المؤقت للشركات الكبرى.
يقول مصدر داخل هيئة قناة السويس إن معدلات العبور اليومي شهدت انخفاضًا يتراوح بين 20 و25% مقارنة بالمعدل القياسي العام الماضي، مشيرًا إلى أن “الوضع لا يمكن وصفه بالأزمة، لكنه يستدعي تحركًا سريعًا لاستعادة ثقة الشركاء العالميين”.
في المقابل، تعمل القاهرة على تعزيز التواصل مع الشركات وتقديم حوافز مالية وتخفيضات مرحلية لرسوم العبور بهدف تشجيع عودة السفن الكبرى، إلى جانب تكثيف الحملات الإعلامية للتأكيد على “أمن الممر الملاحي المصري”.
عودة تدريجية متوقعة
تتوقع مصادر في مجلس النقل البحري الدولي أن يشهد الربع الثاني من عام 2026 بداية “عودة حذرة” لبعض خطوط الملاحة، مع استمرار استخدام الطرق البديلة جزئيًا لحين التأكد من استقرار الأوضاع.
ويعتقد الخبراء أن استعادة الثقة هي العامل الحاسم، وليس فقط التأمين أو الكلفة، مضيفين أن القناة تظل الخيار الأقصر والأكثر فاعلية تجاريًا على المدى الطويل.
الاقتصاديون يرون أن مصر تمتلك فرصة قوية لإعادة تأكيد موقعها كمركز ملاحي عالمي، شرط استمرار استقرار الأوضاع الإقليمية وتقديم مبادرات ملموسة تضمن عودة الشركات الكبرى بشكل دائم، خصوصًا مع النمو المتوقع في حركة التجارة القادمة من آسيا.
مفترق طرق جديد للقناةعلى الرغم من الضغوط الراهنة، يختتم مراقبون حديثهم بالتأكيد أن قناة السويس اجتازت أزمات أكبر من قبل، مثل حادث السفينة “إيفر غيفن” عام 2021، واستطاعت استعادة مكانتها بسرعة.
غير أن الأزمة الحالية تختلف كونها “أزمة ثقة دولية” تتعلق بالوضع الجيوسياسي في البحر الأحمر وليس بالجانب الفني أو التشغيلي.
يبقى السؤال الأهم اليوم: هل تنجح مصر في استعادة حركة الشحن العالمية إلى القناة كما كانت قبل الأزمة؟
الإجابة، بحسب المحللين، تعتمد على قدرة الدولة على تقديم ضمانات أمنية مستدامة وتعاون وثيق مع الشركاء الدوليين لإعادة بناء الثقة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.










