البرلمان الفرنسي يقرر ان “الإخوان” منظمة إرهابية رسميًا
في خطوة غير مسبوقة على الساحة الأوروبية، صوّت البرلمان الفرنسي بأغلبية واسعة على قرار يصنّف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، ما أثار موجة واسعة من الجدل السياسي والدبلوماسي داخل فرنسا وخارجها، لاسيما بين الجاليات المسلمة والمنظمات الحقوقية التي اعتبرت الخطوة تحولًا جذريًا في تعامل باريس مع قضايا الإسلام السياسي.
القرار الذي مرّ بعد نقاشات دامت أسابيع طويلة داخل لجان الأمن والدفاع واللجنة القانونية في البرلمان، جاء بدعم قوي من الأحزاب اليمينية والوسطية، بينما تحفّظت عليه الكتل اليسارية التي رأت أنه يحمل مخاطر بتأجيج التوتر المجتمعي داخل فرنسا.
تفاصيل القرار وأسبابه
وفق نص القرار الذي حصلت وسائل إعلام فرنسية على نسخه، استند البرلمان إلى “سلسلة من التقارير الصادرة عن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية” التي اتهمت منظمات مرتبطة بجماعة الإخوان بـ”محاولات اختراق المؤسسات التعليمية والدينية” و”نشر أفكار تتعارض مع قيم الجمهورية الفرنسية”.
وأشار التقرير البرلماني إلى أن “الإخوان المسلمين يمثلون تهديدًا للأمن القومي الفرنسي من خلال السعي إلى إقامة مجتمع موازٍ قائم على الشريعة الإسلامية”، معتبرًا أن الجماعة “تستخدم الجمعيات والمراكز الثقافية كواجهة لنشر الفكر المتطرف”.
كما دعا القرار الحكومة الفرنسية إلى تجميد أصول الجمعيات والمؤسسات التي يثبت ارتباطها التنظيمي أو المالي بالجماعة، وضرورة إحكام الرقابة على التمويل الخارجي للمؤسسات الدينية القادمة من الخارج، خصوصًا من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
انقسام داخلي وجدال سياسي
القرار أحدث انقسامًا سياسيًا حادًا في الداخل الفرنسي، إذ اعتبر حزب “الجمهوريون” اليميني ما حدث “انتصارًا لقيم الجمهورية”، مؤكدًا أن التصنيف “يحمي فرنسا من مخاطر الأيديولوجيات العابرة للحدود”.
بينما وصفه نواب من “فرنسا الأبية” اليسارية بأنه “استهداف سياسي للمسلمين المعتدلين” ومحاولة لاستثمار الخوف من التطرف قبل انتخابات 2027.
وقالت النائبة كامي لوبرون في مداخلة لها: “لا يمكن الخلط بين الفكر الديني وبين الإرهاب، وعلينا أن نحمي التعايش لا أن نحطم جسوره”، معتبرة أن القرار سيؤدي إلى زيادة حالات التمييز والمراقبة ضد المسلمين الفرنسيين.
الموقف الحكومي والتحدي الأمنيمن جانبها، رحبت الحكومة الفرنسية بالقرار، حيث صرّح وزير الداخلية جيرالد دارمانان بأن التصنيف البرلماني “يعكس التزام فرنسا بمكافحة التطرف بكل أشكاله”، مؤكدًا أن “الإخوان المسلمين يشكلون خطرًا أيديولوجيًا يتسلل عبر التعليم والدعوة والمجتمع المدني”.
وأشار الوزير إلى أن أجهزة الأمن تتابع أكثر من 80 جمعية ومركزًا يشتبه في صلتها الفكرية أو المالية بالجماعة، وأن الإجراءات التنفيذية ستبدأ فور نشر القرار في الجريدة الرسمية.ورغم أن القرار لا يُلزم الحكومة قانونيًا فوريًا، إلا أنه يعطيها غطاءً سياسيًا واسعًا لاستصدار تشريعات إضافية، بما في ذلك حل جمعيات وإغلاق مراكز دينية أو ثقافية.
ردود الفعل العربية والدولية
على الصعيد العربي، تباينت ردود الفعل بين مرحب وصامت. ففي حين وصفت الإمارات والسعودية القرار بالـ“خطوة الجريئة لمحاربة التطرف”، تجنبت حكومات عربية أخرى، بينها قطر وتونس والمغرب، التعليق المباشر على الموقف الفرنسي، فيما أبدت منظمة التعاون الإسلامي “قلقًا من الخلط بين الدين والسياسة”.
أما في مصر، فقد رحبت أوساط رسمية وشخصيات برلمانية بالقرار الفرنسي، معتبرة أنه “يدعم موقف القاهرة الذي اتخذته منذ عام 2013، حين أعلنت الإخوان جماعة إرهابية بعد تورطها في أعمال العنف”.
في المقابل، عبرت منظمات حقوقية فرنسية وأوروبية عن خشيتها من أن يؤدي القرار إلى مزيد من التضييق على المسلمين في فرنسا، خصوصًا في ظل تصاعد الجدل حول “العَلمانية الصارمة” التي تنتهجها الحكومة منذ قانون حظر الحجاب في المدارس عام 2004.
ارتدادات اجتماعية متوقعة
في أوساط الجاليات المسلمة، أثار القرار قلقًا واسعًا بسبب احتمالات الاستهداف والوصم الجماعي، إذ يرى بعض قادة المساجد والمراكز الثقافية أن السلطات قد تستخدم التصنيف لمراقبة الأنشطة الدينية المشروعة والتدخل في حرية المعتقد.
ويقول الباحث في شؤون الإسلام السياسي جون بيير فيلوروا إن فرنسا تسير نحو “تحديد صارم لهوية الإسلام المقبول”، موضحًا أن هذا القرار سيعيد رسم علاقة الدولة بالمؤسسات الإسلامية، “إما بتبعية كاملة للدولة أو مواجهة مفتوحة”.
ويضيف الأكاديمي أن باريس دخلت فعليًا مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل المشهد الإسلامي الأوروبي كله، خصوصًا في ظل نقاشات مشابهة داخل البرلمانات الألمانية والنمساوية والهولندية.
أوروبا على خط المواجهة
يُتوقع أن يدفع القرار الفرنسي دولاً أوروبية أخرى لإعادة تقييم علاقاتها مع الجماعة، خاصةً أن تقارير أمنية متطابقة تتحدث عن تمدد نفوذ الإخوان في عدد من المدن الكبرى مثل برلين بروكسل وستوكهولم.
ويرجح محللون أن تنسق باريس مع بروكسل لإدراج الجماعة رسميًا على قائمة الإرهاب الأوروبية الموحدة خلال 2026، في خطوة ستكون لها تبعات قانونية ومالية واسعة.
ختام:
ما بعد القرار بهذا التصنيف، تكون فرنسا قد فتحت أصعب ملفات القرن في أوروبا: العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الحرية والأمن. وبينما يرى البعض القرار ضرورة وطنية لحماية الدولة، يراه آخرون خطوة تهدد التعايش في المجتمع الفرنسي.
وفي انتظار تفاعلاته المقبلة، يبدو أن ملف الإخوان في أوروبا لم يُغلق بل بدأ فصلاً جديدًا أكثر تعقيدًا واحتدامًا.هل ترغب أن أُعيد صياغة التقرير بصيغة أكثر حيادية (تناسب وكالة أنباء رسمية) أم بطاقة تحليلية سياسية أعمق؟










