جيش أردني جديد أم دولة أمنية رقمية؟ استراتيجية الملك تعبر حدود التهديدات التقليدية
أطلق الأردن مسارًا عسكريًا جديدًا يقوم على بناء جيش احترافي تكنولوجي قادر على مواكبة تحولات الحروب الحديثة، من الفضاء الإلكتروني إلى الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي، عبر استراتيجية شاملة تمتد لثلاث سنوات لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – وتحويلها إلى قوة رشيقة عابرة للتهديدات التقليدية
وترتكز هذه الرؤية على توجيهات مباشرة من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي كلّف القيادة العسكرية بإعداد خارطة طريق واضحة للتحول البنيوي في الجيش، مع التأكيد على الحفاظ على عقيدة الجيش العربي ودوره التاريخي في حماية أمن الأردن واستقراره.
ملامح الاستراتيجية الجديدة
تنطلق الاستراتيجية من توجيه ملكي بإعداد خطة شاملة تعيد تصميم بنية القوات المسلحة على مدى ثلاث سنوات، بحيث تتواءم مع متطلبات الحروب الحديثة والهجينة وغير التقليدية، ومع اتساع بيئات العمليات من البر إلى الفضاء الإلكتروني.
وتشدد الرسالة الملكية على أن الهدف هو بناء قوات مسلحة رشيقة، مرنة، ونوعية، قادرة على تحقيق الردع الاستراتيجي، وحماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية داخل الأردن وفي محيطه الإقليمي.
وتتضمن الخطة إعادة النظر في الهيكل التنظيمي للجيش، ودمج أو إعادة توزيع بعض التشكيلات والوحدات بما يضمن الاستخدام الأمثل للقدرات البشرية والمادية، مع تحديث العقيدة التدريبية وأساليب القتال لتواكب أنماط الحروب غير المتناظرة والحروب الهجينة.
كما تشدد الرؤية على بناء منظومة قيادة وسيطرة واتصالات مؤمنة وحديثة، تتيح سرعة اتخاذ القرار والعمل المشترك بين مختلف الصنوف في أي مسرح عمليات.
التركيز على الحرب السيبرانية والتقنيات المتقدمة
من أبرز ركائز الاستراتيجية منح الأولوية للعمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، في اعتراف صريح بأن الفضاء الإلكتروني أصبح ميدانًا حاسمًا للحرب وتهديدًا مباشرًا للأمن الوطني.
لذلك، يدعو الملك إلى بناء قدرات متخصصة في الأمن السيبراني، قادرة على حماية البنى التحتية الحيوية، والتصدي لهجمات إلكترونية محتملة، وفي الوقت نفسه امتلاك أدوات هجومية عند الضرورة في إطار القانون الدولي.
كما تضع الخطة توظيف تكنولوجيا الأنظمة المسيرة (المسيّرات/الدرونز)، والذكاء الاصطناعي في صلب عملية التحديث، بحيث يتم دمج هذه التقنيات في مستويات القيادة التكتيكية والعملياتية، من الاستطلاع والمراقبة إلى الدعم الناري والقيادة والسيطرة.
ويواكب ذلك توجيه بإعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة للبحث والتطوير في مجال الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية، بما يعزز الاكتفاء النسبي ويقلل الاعتماد على الخارج.
إعادة هيكلة القوى البشرية والاحتياط
ترى الاستراتيجية أن بناء جيش محترف تكنولوجيًا لا يقتصر على التسليح، بل يتطلب الاستثمار المكثف في العنصر البشري، تدريبًا وتأهيلًا وتعليمًا.
لذا، تتضمن التوجيهات الملكية التركيز على رفع كفاءة الضباط وضباط الصف والأفراد في استخدام التقنيات الجديدة، وتطوير برامج التدريب المتخصص في الحرب السيبرانية، وإدارة الأنظمة المسيرة، وتحليل البيانات الاستخبارية.
وتمنح الخطة اهتمامًا خاصًا لتعزيز قدرات قوات الاحتياط، عبر إعادة تنظيمها وتحديد أدوارها ضمن الخطط التعبوية الوطنية، بحيث تشكل عمقًا استراتيجيًا يمكن استدعاؤه بسرعة عند الأزمات والتهديدات الكبرى.
كما يجري بحث التوظيف الأمثل لوحدات حرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة، ودمجها في رؤية أشمل للأمن الوطني تتكامل فيها الأدوار بدل ازدواجيتها.
صناعة دفاعية وشراكات بحثية
على مستوى الدعم الصناعي، تشدد الاستراتيجية على ضرورة تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية، عبر تحديث هياكل الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة وفق أعلى معايير الحوكمة والإدارة، بما يحولها إلى ذراع اقتصادي–تقني يساند عملية التحديث العسكري.
وتطرح الرؤية شراكات أوسع مع مراكز البحث العلمي والجامعات وشركات التكنولوجيا، محلية وصديقة، لتطوير حلول دفاعية متقدمة تلائم الخصوصية الجغرافية والأمنية للأردن.
هذا التوجه يعكس رغبة في جعل الجيش جزءًا من منظومة ابتكار وطنية، لا مجرد مستهلك للتقنيات المستوردة، بما يتيح للأردن تحسين موقعه في سوق الصناعات الدفاعية الإقليمية، ولو تدريجيًا.
بين الإشادة والقلق
لاقَت التوجيهات الملكية ترحيبًا واسعًا في أوساط القيادات العسكرية والمتقاعدين، الذين رأوا فيها انتقالًا من منطق ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي لمواجهة تهديدات المستقبل.
وأكد كثير من الضباط المتقاعدين أن تحديث الجيش ضرورة حتمية في ظل التحولات الإقليمية وسباق التسلح التكنولوجي، وأن الحفاظ على مكانة الجيش العربي يتطلب الاستثمار في التكنولوجيا بقدر الاستثمار في العقيدة والانضباط.
في المقابل، يطرح بعض المراقبين أسئلة حول كلفة هذا التحول على الموازنة العامة، وعلاقته بالأولويات الاجتماعية والاقتصادية في بلد يواجه تحديات بطالة وموارد محدودة.
كما تُثار تساؤلات ناقدة حول مدى الشفافية في عقود التسليح والتقنيات المتقدمة، وحول تأثير توسع القدرات السيبرانية على الخصوصية والحريات إذا لم تُرفق بضوابط قانونية ورقابية واضحة.
بين خطاب رسمي يؤكد أن الهدف هو بناء جيش احترافي تكنولوجي عابر للتهديدات لحماية الدولة والمجتمع، وخطاب معارض يحذر من عسكرة الفضاء الرقمي وتعميق الفجوة بين المؤسسة العسكرية والمواطن؛ يدخل الأردن مرحلة جديدة في تاريخ جيشه العربي، ستكشف السنوات الثلاث المقبلة إلى أي مدى ستنجح هذه الاستراتيجية في تحقيق توازن صعب بين الردع والأمن من جهة، ومتطلبات التنمية والديمقراطية من جهة أخرى.










