المنشر الاخباري، أثار إعلان انضمام المغرب كعضو مؤسس إلى ما يُعرف بـ“مجلس السلام” (Board of Peace)، الذي كشف عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال منتدى دافوس الاقتصادي في 22 يناير/كانون الثاني 2026، موجة واسعة من الجدل السياسي والدبلوماسي، خاصة في ما يتعلق بتداعيات هذه الخطوة على قضية الصحراء الغربية، أحد أكثر النزاعات تعقيداً في شمال أفريقيا.
ويطرح هذا التطور تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان المجلس الجديد يمثل ورقة ضغط استراتيجية بيد الرباط في مواجهة جبهة البوليساريو والجزائر، أم مجرد إطار سياسي جديد يضاف إلى مشهد دولي متشابك.
مجلس السلام… كيان دولي بصلاحيات غير مسبوقة
وفق الإعلان الأمريكي، أُسس “مجلس السلام” كمنظمة دولية ذات طابع تنفيذي، تختلف عن المؤسسات التقليدية مثل مجلس الأمن الدولي أو الاتحاد الأفريقي.
ويُمنح المجلس صلاحيات واسعة لاتخاذ قرارات ملزمة تهدف إلى إنهاء النزاعات الإقليمية دون اللجوء إلى التدخل العسكري المباشر، عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وعقوبات سياسية.
ويرأس المجلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويضم في عضويته التأسيسية عدداً من الدول الحليفة لواشنطن، من بينها المغرب.
وقد وقّع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطا وثيقة الانضمام، مؤكداً أن الرباط تنظر إلى المجلس كآلية جديدة لتعزيز الاستقرار الإقليمي، خصوصاً في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
ويمثل هذا الانضمام نقلة نوعية في مقاربة المغرب لقضية الصحراء، إذ تسعى الرباط إلى نقل الملف من فضائه التقليدي داخل الأمم المتحدة إلى إطار دولي جديد يتمتع بنفوذ سياسي أكبر، وبدعم أمريكي مباشر.
الصحراء في صدارة الأولويات المغربية
لم يُخف المغرب منذ اللحظة الأولى أن ملف الصحراء سيكون على رأس أولوياته داخل مجلس السلام. فبالنسبة للرباط، يشكل النزاع حجر الزاوية في سياستها الخارجية، وتسعى من خلال المجلس إلى الدفع نحو قرارات دولية ملزمة تُنهي حالة الجمود المستمرة منذ عقود.
ويأتي ذلك في سياق دولي مواتٍ نسبياً للموقف المغربي، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “الحل الواقعي والعملي الوحيد” للنزاع، وهو ما عدّته الرباط تحولاً نوعياً في الموقف الأممي.
وترى الدبلوماسية المغربية أن مجلس السلام يمكن أن يشكّل أداة ضغط إضافية لدعم هذا التوجه، سواء عبر فرض تسويات سياسية، أو الدفع نحو تطبيع العلاقات المغربية الجزائرية، بما في ذلك فتح الحدود المغلقة منذ عام 1994.
ردود فعل الجزائر والبوليساريو
في المقابل، قوبل انضمام المغرب إلى المجلس برفض شديد من الجزائر وجبهة البوليساريو. فقد اعتبرت الجزائر الخطوة “تشويشية” وتهدف إلى الالتفاف على الشرعية الدولية، مؤكدة تمسكها بدور الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي كإطارين حصريين لمعالجة النزاع.
وتزامن ذلك مع إعلان الجزائر دعم ترشيح ما يسمى بـ“الجمهورية الصحراوية” لعضوية مجلس السلم والأمن الأفريقي للفترة 2026–2028، في مواجهة مباشرة مع المغرب وليبيا خلال انتخابات مرتقبة في فبراير/شباط 2026. واعتبر الإعلام الجزائري هذا الترشيح “ضربة تاريخية” للمغرب، ومحاولة لإعادة تثبيت حضور البوليساريو داخل المؤسسات القارية.
كما أوفدت الجبهة وفداً إلى واشنطن في محاولة لفتح قنوات اتصال سياسية وإعلامية، ومنافسة المغرب داخل مراكز القرار الدولية، مع تأكيدها رفض أي حل لا يقوم على “الاستفتاء وتقرير المصير”.
ورقة دبلوماسية قوية بيد الرباط
رغم الاعتراضات، يرى مراقبون أن انضمام المغرب إلى مجلس السلام يمنحه ورقة دبلوماسية ذات ثقل غير مسبوق. فالمجلس، وفق هيكليته المعلنة، قادر على إصدار قرارات ملزمة، قد تشمل فرض عقوبات اقتصادية أو دبلوماسية على الأطراف المعرقلة للحلول السياسية.
وفي حال تم إدراج ملف الصحراء رسمياً ضمن أولويات المجلس، يمكن للمغرب الدفع نحو قرارات تدعو إلى إنهاء دعم البوليساريو، وفرض تسويات إقليمية تشمل تطبيع العلاقات المغربية الجزائرية، وربما الضغط لوقف أي تحركات انفصالية خارج الإطار الأممي.
ويعزز هذا التوجه سلسلة من النجاحات الدبلوماسية المغربية الأخيرة، من بينها رفض عضوية البوليساريو في مجلس الشباب العربي الأفريقي خلال قمة كمبالا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدعم 47 دولة، وهو ما عُدّ مؤشراً على تراجع التأييد الدولي للجبهة.
دعم أمريكي وتحولات دولية
يحظى المغرب بدعم واضح من إدارة ترامب، التي تربط بشكل مباشر بين تحقيق السلام في شمال أفريقيا وحل نزاع الصحراء وفق الرؤية المغربية. ويُنظر إلى هذا الدعم كعامل ضغط كبير على الجزائر، لا سيما في ظل أوضاعها الاقتصادية الصعبة وتراجع أسعار الطاقة.
في المقابل، أبدت دول أوروبية كفرنسا وألمانيا قلقاً من تنامي الدور الأمريكي عبر مجلس السلام، خشية فقدان نفوذها التقليدي في المنطقة، ما يعكس تحولات أوسع في موازين القوة الدولية.
تحديات وحدود التأثير
ورغم ما يوفره المجلس من فرص للمغرب، إلا أن الطريق ليس خالياً من التحديات. فالجزائر لا تزال تملك نفوذاً داخل الاتحاد الأفريقي، وتتمسك بدعم عدد من الدول التي ترى في البوليساريو “حركة تحرر”.
كما أن شرعية المجلس الجديد نفسها قد تواجه تشكيكاً دولياً، خاصة من الدول التي ترى فيه منافساً مباشراً للأمم المتحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة لتجاوز الإطار الأممي قد تثير حساسيات قانونية ودبلوماسية، ما قد يحد من قدرة المجلس على فرض قراراته فعلياً.
يشكل انضمام المغرب إلى “مجلس السلام” دون شك تطوراً استراتيجياً مهماً في مسار قضية الصحراء، ويمنح الرباط أداة ضغط جديدة مدعومة بقوة أمريكية واضحة.
غير أن فعالية هذه الورقة ستظل رهينة بمدى قدرة المجلس على فرض قراراته، وبالتوازنات الإقليمية داخل أفريقيا، وباستعداد القوى الدولية للاعتراف بهذا الكيان كمرجعية فعلية لحل النزاعات.
وبينما يميل المناخ الدولي تدريجياً لصالح المقترح المغربي، تبقى قضية الصحراء ساحة مفتوحة لصراع دبلوماسي طويل، قد يكون “مجلس السلام” أحد أبرز فصوله الجديدة، لكنه على الأرجح لن يكون الفصل الأخير.










