اتفاقية الدفاع الإثيوبية-الجيبوتية تُشعل التوترات في القرن الإفريقي وتعيد رسم موازين القوة الإقليمية بين مصر وإريتريا
أديس أبابا – في خطوة أثارت اهتمام المحللين الإقليميين، وقعت إثيوبيا وجيبوتي يوم الخميس 23 يناير 2026، اتفاقية دفاع مشترك تهدف ظاهريًا إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين ومكافحة الجرائم العابرة للحدود والإرهاب والتهريب. الاتفاقية، التي تأتي بعد مسح شامل للمناطق الحدودية المشتركة استمر نحو عام، تضمنت إنشاء لجنة مشتركة للاجتماعات الدورية، وتبادل المعلومات بشكل آمن، وعمليات مراقبة الحدود، فضلاً عن برامج تدريبية مشتركة.
ومع ذلك، فإن قراءة متأنية لبنود الاتفاقية وسياق توقيعها تشير إلى أن الأبعاد السياسية والإستراتيجية تفوق بكثير الغلاف العسكري الذي يُقدَّم للجمهور. الاتفاقية وقّعها قائد القيادة الشمالية الشرقية الإثيوبية الفريق أول أسيفا تشيكول ونظيره الجيبوتي العقيد علي شهمي، وأكدت الوثيقة أن الهدف الأساسي هو حماية المناطق الحدودية ومواجهة الجرائم العابرة للحدود والمسلحين.
سياق الاتفاقية وأهميتها الإقليمية
جاء توقيع الاتفاقية بعد زيارة رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد إلى جيبوتي في 12 يناير 2026، واجتماعه مع الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر أحمد، بهدف تعزيز التعاون الدفاعي والعسكري بين البلدين. هذا التحرك يؤكد حرص إثيوبيا على بناء شراكة إستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي، يمكنها من خلالها تأمين المصالح الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك تأمين خطوط التجارة الخارجية التي تمر عبر ميناء جيبوتي، والذي يمثل نحو 95% من تجارة إثيوبيا الخارجية.
التوقيع يأتي أيضًا في ظل تصاعد الأزمة الإثيوبية-الإريترية منذ نوفمبر 2023، بعد محاولة إثيوبيا الوصول إلى منفذ بحري على السواحل الإريترية. الاتفاقية، إذاً، ليست مجرد تعاون دفاعي، بل أداة استراتيجية تمنح إثيوبيا هامش تحرك أكبر في مواجهة أسمرة، وتعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
رسائل سياسية إلى إريتريا ومصر
إلى إريتريا: الاتفاقية بمثابة رسالة واضحة: إثيوبيا تمتلك خيارات متعددة للتصرف في حال اندلاع مواجهة مباشرة، بما في ذلك الاستعانة بشريك إستراتيجي يمكنه تأمين حركتها في المنطقة الحدودية والبحر الأحمر. التحليل يظهر أن إثيوبيا تعتمد على جيبوتي كـ”حليف استراتيجي” لتوسيع خياراتها العسكرية والسياسية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إريتريا.
إلى مصر: توقيت الاتفاقية يحمل أبعادًا سياسية إضافية، إذ جاء بالتزامن مع تعزيز التعاون المصري-الجيبوتي، على الصعيدين السياسي والاقتصادي. هذه الخطوة الإثيوبية ترسل رسالة ضمنية للقاهرة مفادها أن جيبوتي ليست ساحة مفتوحة، وأن إثيوبيا قادرة على حماية مصالحها في المنطقة عبر تحالفاتها الإقليمية.
الأبعاد العسكرية والأمنية
الاتفاقية تتضمن عدة آليات عملية، أهمها:
• إنشاء لجنة دفاع مشتركة تجتمع بشكل دوري لتقييم التهديدات وتنسيق العمليات.
• تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الطرفين بشكل آمن وفي الوقت المناسب.
• تنفيذ برامج تدريبية مشتركة للقوات المسلحة، مع التركيز على مكافحة التهريب والجرائم العابرة للحدود.
• مراقبة الحدود المشتركة لضمان الاستجابة الفورية لأي تهديد أمني محتمل.
لكن من الناحية التحليلية، يُلاحظ أن هذه البنود العسكرية ليست الهدف الأوحد، بل تمثل واجهة لإضفاء شرعية على تحرك إثيوبيا السياسي في القرن الإفريقي. فالأبعاد الأمنية الاقتصادية تظهر بشكل واضح في التأكيد على حماية خطوط التجارة، وتأمين طرق الوصول إلى البحر الأحمر.
البعد الاقتصادي وتأمين خطوط التجارة
ميناء جيبوتي ليس مجرد شريان اقتصادي لإثيوبيا، بل يمثل شريان حياتها، حيث يمر عبره نحو 95% من صادرات وواردات الدولة. الاتفاقية تمنح إثيوبيا القدرة على حماية هذا الممر الاستراتيجي، وتحويل جيبوتي إلى حليف أمني وسياسي دائم، ما يعزز موقفها في البحر الأحمر ويمنحها أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات إقليمية أو صراعات محتملة.
قراءة إستراتيجية وتحليل المخاطر
الخطوة الإثيوبية تكشف عن استراتيجية واضحة: تغليف الطموحات الجيوسياسية بلغة أمنية رسمية. فبينما يُسوق الاتفاق على أنه تعاون عسكري وأمني، فإن الرسائل السياسية المبطنة واضحة لكل من مصر وإريتريا: إثيوبيا تعرف كيف تحمي مصالحها، ولديها شريك يمكن الاعتماد عليه في منطقة حساسة.
من جهة أخرى، هذا التحالف قد يضع جيبوتي في موقف حرج على المدى الطويل، إذ يمكن أن تتحول شراكتها مع إثيوبيا إلى ضغط على استقلال قرارها السياسي، خاصة إذا تصاعدت التوترات الإقليمية مع القوى الأخرى في البحر الأحمر.
خلاصة
اتفاقية الدفاع المشترك بين إثيوبيا وجيبوتي ليست مجرد وثيقة عسكرية تقليدية، بل هي إعلان إستراتيجي واضح على الأرض. من خلال هذه الاتفاقية، تحقق إثيوبيا عدة أهداف:
1. تعزيز نفوذها العسكري في القرن الإفريقي بعيدًا عن المواجهة المباشرة مع إريتريا.
2. حماية مصالحها الاقتصادية الحيوية عبر تأمين الممرات التجارية عبر جيبوتي.
3. إرسال رسائل سياسية قوية لكل من مصر وإريتريا حول قدرتها على المناورة وبناء تحالفات إقليمية استراتيجية.
الاتفاقية تعكس ببساطة كيف يمكن للدول الإقليمية استخدام “الشراكات الدفاعية” كأداة ضغط سياسية وجيوستراتيجية، وتحويل التعاون العسكري إلى منصة لإعادة صياغة موازين القوى في منطقة القرن الإفريقي، التي تظل واحدة من أكثر المناطق حساسية وتوترًا على مستوى القارة.










