مبادرة ترامب تفتح النار على الأمم المتحدة وتعيد تعريف السلام بمنطق الربح والخسارة
واشنطن – 25 يناير 2026
في خطوة أعادت النقاش الدولي حول دور الولايات المتحدة في إدارة النزاعات إلى الواجهة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي عن إنشاء ما أطلق عليه مجلس السلام الدولي، واصفًا إياه بأنه إطار براغماتي يهدف إلى تسوية النزاعات وتعزيز الاستقرار العالمي عبر مقاربة جديدة تعتمد على المصالح الاقتصادية والضغط السياسي بدل التدخلات العسكرية التقليدية.
خطوة ترامب هذه تُعيد طرح السؤال: هل هي فعلاً منصة للسلام، أم مناورة سياسية لإعادة رسم نفوذ واشنطن عالميًا؟
صفقات بدلاً من دبلوماسية: رؤية ترامب الجديدة
وفق تصريحاته، سيضم المجلس سياسيين واقتصاديين بارزين وقادة سابقين ورجال أعمال، ليعمل كمنصة وساطة غير تقليدية، مع تركيز على النزاعات المزمنة في الشرق الأوسط، أوروبا الشرقية، وبعض مناطق آسيا. استخدام الضغط الاقتصادي، الصفقات التجارية، وضمانات الأمن بدل الأساليب التقليدية يعكس فلسفة ترامب: السلام مرتبط بالمصالح لا بالقيم .
المجلس يمثّل وجهة نظر ترامب بأن الاقتصاد أداة للضغط والتأثير السياسي، وأن النزاعات المعقدة يمكن التعامل معها عبر “حلول سريعة ومرنة” بعيداً عن بيروقراطية الأمم المتحدة. وذلك كالتالى
ربط السلام بالازدهار الاقتصادي والاستثمار، معتبرًا أن النمو الاقتصادي هو الطريق الأسرع لإنهاء النزاعات. لكن خبراء سياسيين يرون أن هذا الطرح يبسط النزاعات المعقدة التي تتداخل فيها عوامل سياسية، قومية، دينية واجتماعية، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان الربط بين السلام والصفقات الاقتصادية يخدم مصالح واشنطن أكثر من إحلال السلام المستدام.
التركيز على النزاعات المزمنة باستخدام الضغط الاقتصادي والصفقات التجارية وضمانات الأمن، بدل الأطر متعددة الأطراف التقليدية. هذه الاستراتيجية توحي بأن المجلس يتبنى منطق القوة والضغط أكثر من الحوار أو الوساطة، وهو ما يثير مخاوف دبلوماسية حول شرعية التدخل والقدرة على معالجة جذور النزاعات البنيوية.
تقديم مسار موازٍ ومرن للتعامل مع الأزمات التي فشلت القنوات الدبلوماسية التقليدية، دون أن يحل المجلس محل الأمم المتحدة أو المؤسسات الدولية القائمة. ومع ذلك، يثير هذا التحرك أسئلة عن فعالية هذا المسار الموازٍ وحدود سلطاته وشرعيته الدولية، خصوصًا في النزاعات التي تتطلب مقاربات قانونية وإنسانية دقيقة.
في المحصلة، يبدو مجلس السلام كأداة أمريكية لتمكين النفوذ الاقتصادي والسياسي عالميًا، أكثر من كونه آلية متوازنة لمعالجة النزاعات الدولية بشكل مستدام.
التفاعل السياسي داخل الولايات المتحدة: انقسام بين دعم وتحفظ
أثار إعلان إنشاء مجلس السلام انقسامات واضحة في المشهد الحزبي الأمريكي، حيث تباينت القراءات بين مؤيدين وتحفّظات:
• الجمهوريون المؤيدون لترامب رحبوا بالمجلس، معتبرينه أداة مرنة تعكس فلسفة “السلام من موقع القوة”، حيث يُربط الاستقرار السياسي بالمكاسب الاقتصادية والاستثمارية. ويرى هؤلاء أن المجلس يعزز صورة ترامب كـ صانع صفقات قادر على جمع الأطراف المتنازعة حول طاولة تفاوض غير تقليدية، ما يمنحه نفوذًا جديدًا في السياسة الخارجية دون الانخراط في تدخلات عسكرية طويلة ومكلفة.
• الجمهوريون التقليديون أبدوا تحفّظًا صامتًا حول تداخل الصلاحيات، ومخاوف من تحول المجلس إلى منصة موازية قد تربك السياسة الخارجية الأمريكية. ورغم هذه التحفظات، لم يتحول الأمر إلى معارضة علنية، نظرًا للحساسية السياسية للمبادرة واهتمام الإعلام الدولي الواسع بها.
• الديمقراطيون اعتمدوا نبرة تشكك وحذر، معتبرين المجلس غامض المعالم ويفتقر إلى أطر قانونية واضحة. وأعربوا عن مخاوف من تهميش المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة، معتبرين أن ربط السلام بالمصالح الاقتصادية قد يأتي على حساب حقوق الإنسان والقانون الدولي، ويحوّل المجلس أداة للضغط السياسي والاقتصادي بدلًا من أداة وساطة حقيقية ومستقلة.
هذا الانقسام يعكس أن مجلس السلام، رغم شعاره الطموح، يواجه تحديات داخلية واضحة قد تحد من فعاليته على المدى الطويل، ويجعل استمراريته مرتبطة أكثر بشخص ترامب وأيديولوجيته السياسية منه بقاعدة مؤسسية ثابتة
الأبعاد الداخلية والخارجية لمجلس السلام
داخليًا:
يمنح مجلس السلام الرئيس ترامب أداة سياسية قوية لإعادة تقديم نفسه كصانع سلام قادر على تحقيق اختراقات في الملفات الدولية المعقدة. تأتي هذه المبادرة متوافقة مع المزاج العام للقاعدة الجمهورية التي تميل إلى حلول سريعة تعتمد على الصفقات وتقليص الانخراط العسكري المكلف، ما يعزز مكانة ترامب داخليًا حتى لو كانت النتائج العملية للمجلس محدودة.
خارجيًا:
يوفر المجلس مسارًا مرنًا لإدارة النزاعات بعيدًا عن المنظومة الدولية التقليدية، ما يمنح واشنطن قدرة أكبر على المناورة والتأثير المباشر. ومع ذلك، يطرح هذا النهج مخاطر استراتيجية واضحة، أبرزها إضعاف التنسيق مع الحلفاء وتقويض الثقة في القواعد الناظمة للنظام الدولي، ما قد يؤدي إلى مزيد من الارتباك في إدارة الأزمات العالمية على المدى الطويل.
سلام ترامب.. نفوذ بلا التزام
المبادرة تكشف أن «مجلس السلام» ليس مجرد أداة دبلوماسية، بل إعادة تعريف للسلام نفسه بوصفه نتاجًا للمصالح الاقتصادية والسياسية، لا التزامات قانونية أو قيم إنسانية.
كما يطرح الإعلان أسئلة لم يُجب عنها ترامب:
من يختار أعضاء المجلس؟ ما حدود نفوذه؟ ومن يمنحه الشرعية للتدخل في نزاعات سيادية؟
الخلاصة
«مجلس السلام» يعكس تحولًا جذريًا في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تُستبدل الدبلوماسية بالقوة الناعمة الاقتصادية، وتُهمَّش المؤسسات الدولية لصالح منصات مرنة تتحكم فيها المصالح.
وبينما يقدمه ترامب كطريق جديد للاستقرار، يراه منتقدوه مشروع نفوذ مغلف بشعار السلام، قد يعمّق الأزمات بدل حلها، ويحوّل النزاعات الدولية إلى ساحات صفقات لا ساحات عدالة











