من ممر عبور إلى مصنع للعالم: هل تنجح مصر في اقتناص هجرة الاستثمارات؟
تتحول مصر حاليًا إلى لاعب محتمل في خريطة سلاسل الإمداد العالمية، بما يفتح نافذة واسعة أمام فرص تصديرية واستثمارية جديدة، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بحزمة من التحديات الهيكلية والظرفية.
أولًا: ملامح التحول في سلاسل الإمداد
شهدت السنوات الأخيرة إعادة رسم خرائط الإنتاج والتجارة عالميًا بفعل التوترات الجيوسياسية والأزمات المتلاحقة، ما دفع الشركات للبحث عن مواقع أقرب للأسواق وأكثر أمانًا وتنويعًا لمصادر التوريد.
هذا التحول زاد من أهمية الدول ذات المواقع البحرية الحيوية مثل مصر التي تتحكم في أحد أهم الممرات الاستراتيجية عبر قناة السويس، بما يمنحها قدرة استثنائية على تمركز استثمارات الصناعات اللوجستية والتكميلية.
ثانيًا: الفرص التصديرية أمام مصر
تظهر البيانات نموًا ملحوظًا في الصادرات السلعية غير البترولية المصرية خلال 2025، مع تنوع واضح في هيكل الصادرات بين الكيماويات والأسمدة والصناعات الغذائية والهندسية والحاصلات الزراعية.
سجل قطاع المنتجات الكيماوية والأسمدة وحده نحو 7.72 مليار دولار مع زيادة 10%، بينما حقق قطاع الصناعات الغذائية قرابة 5.76 مليار دولار بزيادة 11%، وارتفعت صادرات السلع الهندسية والإلكترونية إلى نحو 5.32 مليار دولار بزيادة 12%.
تتوسع الفرص التصديرية كذلك في أسواق عربية وأفريقية ودولية، تشمل منتجات زراعية وغذائية ومواد بناء ومبيدات، استنادًا إلى قوائم الفرص المباشرة التي أعلنتها الغرفة التجارية للقاهرة بالتعاون مع مكاتب التمثيل التجاري.
ويعكس ذلك توجهًا متصاعدًا نحو فتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري، خاصة في الأردن وكندا وتنزانيا ولبنان، مع وجود قوائم دورية للفرص التصديرية المستهدفة لتشجيع الشركات على التوسع الخارجي.
ثالثًا: الفرص الاستثمارية في ظل خريطة الإمداد الجديدة
تحافظ مصر على موقع متقدم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة أفريقيًا، مع تسجيل نحو 11 مليار دولار بنهاية 2025 وفق تقارير دولية، وهو ما يعكس استمرار اهتمام الشركات العالمية بالسوق المصرية رغم الضغوط.
وتتبنى الحكومة خطة لتحديد عشرات الفرص الاستثمارية المستهدفة، بهدف رفع قيمة الصادرات إلى نحو 145 مليار دولار بحلول 2030، مع ربط التوسع التصديري بجذب استثمارات صناعية منتجة وليست تدفقات قصيرة الأجل.
يراهن صانع القرار على إقليم قناة السويس ليكون مركزًا لوجستيًا–صناعيًا متكاملاً، يستقطب شركات متعددة الجنسيات، ويعزز النفوذ الإقليمي لمصر في إدارة التدفقات التجارية بين البحرين المتوسط والأحمر.
وتركز الدولة على جذب استثمارات تتوافق مع التحولات الجديدة في سلاسل الإمداد، قائمـة على المرونة والتنافسية، مع الاستفادة من الاتفاقيات التجارية الإقليمية والدولية، والشراكات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
رابعًا: التحديات التي تواجه التصدير والاستثمار
رغم الفرص، يواجه الاقتصاد المصري تحديات ضاغطة، من بينها تراجع نسبي في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في فترات معينة بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي والمحلي، وارتفاع الدين الخارجي والضغوط التضخمية.
هذه العوامل ترفع تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية، وتضغط على العملة المحلية، بما ينعكس على تكلفة الإنتاج والتصدير، ويضعف ثقة بعض المستثمرين في بيئة الأعمال على المدى القصير.
تعتمد مصر بدرجة كبيرة على استيراد السلع الغذائية والمواد الخام، وهو ما يجعلها عرضة لاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، كما حدث في أزمة القمح عقب الحرب في أوكرانيا، رغم وجود خطط حكومية للتحوط عبر تنويع مصادر الاستيراد وزيادة تشجيع الإنتاج المحلى
وتبرز تحديات أخرى متعلقة بتعدد الجهات المنظمة للنشاط اللوجستي، وتعقيد الإجراءات الجمركية، والحاجة لتوسيع الطاقات التخزينية في الموانئ والمطارات لتقليل زمن الإفراج وتكاليف التخزين، وهو ما جرى طرحه في دراسات وورش عمل رسمية.
خامسًا: متطلبات تعظيم الاستفادة من الفرص
يتطلب تعظيم الاستفادة من التحولات في سلاسل الإمداد استكمال إصلاحات هيكلية في بيئة الأعمال، تشمل تبسيط الإجراءات، وتوحيد جهة تنظيمية عليا للوجستيات، والتوسع في المستودعات والمخازن الجمركية الذكية، وتطبيق أوسع للنظام الجمركي المميكن
كما يحتاج الأمر إلى سياسة صناعية واضحة تستهدف تعميق التصنيع المحلي، ورفع القيمة المضافة للمنتجات، وربط التمويل التصديري باشتراطات الجودة وخطط التوسع في الأسواق، مع الاستثمار في نقل التكنولوجيا عبر الشراكات الدولية.
وفي ضوء تطلع مصر للتحول من «دولة عبور» إلى مركز إنتاج ولوجستيات متكامل، تزداد أهمية بناء قاعدة من الشركات المحلية القادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في مجالات الإلكترونيات، والصناعات الهندسية، والصناعات الغذائية عالية المعالجة
وبينما توفر الجغرافيا السياسية لمصر فرصة نادرة لإعادة التموضع على خريطة التجارة العالمية، يبقى النجاح مرهونًا بقدرتها على معالجة التحديات الداخلية، وتوفير بيئة أعمال أكثر استقرارًا وتوقعًا للمصدرين والمستثمرين على حد سواء.











