نيوم | المنشر الاخباري، بعد سنوات من الترويج بوصفه حجر الزاوية في «رؤية السعودية 2030»، يتجه مشروع نيوم، أضخم مشاريع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى تقليص جذري وإعادة تصميم شاملة، في اعتراف غير معلن بفشل التصور الأصلي الذي استنزف عشرات المليارات من الدولارات دون تحقيق النتائج الموعودة.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن مراجعة شاملة لمشروع التطوير الضخم أوشكت على الاكتمال، في ظل تأخيرات كبيرة وتجاوزات هائلة في الميزانيات، دفعت القيادة السعودية إلى إعادة النظر في مستقبل المشروع واتجاهه.
اعتراف ضمني بالفشل
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس إدارة نيوم، بات يتصور مشروعا «أصغر بكثير»، في إشارة واضحة إلى إدراك رسمي لإخفاق الرؤية شديدة الطموح التي أطلقت عام 2017، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ أو الخطاب الإعلامي المصاحب لها.
ويمتد مشروع نيوم على مساحة شاسعة تعادل تقريبا مساحة بلجيكا، على ساحل البحر الأحمر، وكان يفترض أن يكون نموذجا عالميا لمدن المستقبل، إلا أن الواقع المالي والتقني فرض مسارا مغايرا تماما.
«ذا لاين»… من مدينة المستقبل إلى فكرة منقوصة
أبرز مظاهر هذا التحول يتمثل في التقليص الجذري لمشروع «ذا لاين»، المدينة الخطية التي كانت تمثل قلب نيوم النابض ورمز طموحاته. وتشير المصادر إلى أن «ذا لاين» قد يعاد تصميمه بالكامل ليصبح مشروعا «أكثر تواضعا»، مع الاستفادة فقط من البنية التحتية التي أنجزت خلال السنوات الماضية.
وقال أحد المطلعين:
«سيكون “ذا لاين” مفهوما مختلفا تماما، وسيستخدم ما بني حتى الآن بطريقة مختلفة كليا».
التحول إلى مراكز بيانات
وبدل المدينة المستقبلية التي كانت تسوق عالميا، تتجه نيوم – وفق التقرير – إلى التحول إلى مركز ضخم لمراكز البيانات، في إطار سعي ولي العهد لجعل السعودية لاعبا رئيسيا في مجال الذكاء الاصطناعي.
ويرى مطلعون أن الموقع الساحلي لنيوم يسهل استخدام مياه البحر في تبريد مراكز البيانات، ما يجعل المشروع مناسبا تقنيا لهذا النوع من الاستثمار، وإن كان بعيدا كل البعد عن الوعود الأصلية التي بنيت عليها الدعاية السياسية والإعلامية.
ضغوط مالية وواقع اقتصادي
وتأتي هذه التغييرات في وقت تواجه فيه السعودية شحا متزايدا في السيولة بعد عقد من الإنفاق الضخم، بالتزامن مع بقاء أسعار النفط عند مستويات لا تسمح بتمويل مشاريع عملاقة مفتوحة الكلفة.
كما تواجه الرياض التزامات مالية ضخمة مرتبطة باستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، ما فرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بما في ذلك مراجعة مشاريع «رؤية 2030» نفسها.
تراجع المشاريع المرافقة
وشمل التقليص مشاريع أخرى ضمن نيوم، من بينها منتجع التزلج «تروجينا»، الذي أعلن رسميا أنه لن يستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 كما كان مقررا، إضافة إلى مراجعة نطاق مشاريع مثل «أوكساغون».
منجم أموال بلا عائد
ومنذ إطلاقه، شكل مشروع نيوم منجما ماليا لشركات الاستشارات العالمية والإنشاءات والمعماريين، حيث صرفت عشرات المليارات من الدولارات على ما وصف بأنه أكبر موقع بناء في العالم، دون مردود اقتصادي واضح.
وتعززت الشكوك حول مستقبل المشروع بعد المغادرة المفاجئة للرئيس التنفيذي ناظمي النصر في نوفمبر 2024، ليطلق خلفه أيمن المديفر مراجعة «شاملة» لنطاق المشاريع وأولوياتها.
خطاب سياسي مقابل واقع مختلف
ورغم أن الأمير محمد بن سلمان كان قد تعهد علنا بإلغاء أو تعديل أي مشروع لا يخدم «المصلحة الوطنية»، فإن ما يجري اليوم ينظر إليه على نطاق واسع بوصفه انكماشا اضطراريا لمشروع استخدم سياسيا وإعلاميا كرمز لنهضة اقتصادية لم تتحقق.
وفي ظل الضغوط المتزايدة على صندوق الاستثمارات العامة، مالك مشروع نيوم، لتحقيق عوائد ملموسة على استثماراته التي تقترب أصوله من تريليون دولار، تبدو «وفاة المشروع بصيغته الأصلية» أمرا واقعا، حتى وإن استمر الاسم بوجه مختلف ومضمون أقل بكثير من الوعود.











