جوبا – المنشر الإخباري | 26 يناير 2026، أطلقت آلية الرقابة الدولية “جيميك” (RJMEC) صافرة الإنذار الأخيرة بشأن مستقب الاستقرار في جمهورية جنوب السودان، مؤكدة أن اتفاقية السلام المنشطة لعام 2018 تواجه خطر “الانهيار الوشيك وغير القابل للإصلاح”، وسط تدهور أمني وسياسي غير مسبوق،.
ودعت “جيميك” إلى الإفراج الفوري عن النائب الأول لرئيس الجمهورية المحتجز، والعودة العاجلة إلى مسار الحوار السياسي، تفاديًا لانزلاق البلاد مجددًا إلى صراع واسع النطاق.
إحاطة أمام الاتحاد الأفريقي: الوضع يتدهور
وجاء هذا التحذير خلال إحاطة افتراضية قدمها اللواء المتقاعد جورج أغري أوينو، الرئيس المؤقت للجنة المشتركة للرصد والتقييم المعاد تشكيلها، أمام مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، حيث أكد أن الوضع في جنوب السودان «يواصل التدهور بشكل كبير» على المستويين السياسي والأمني. وأوضح أوينو أن اتفاقية 2018 المنشطة لحل النزاع، المعروفة اختصارا بـ R-ARCSS، تعرضت إلى «تقويض خطير»، محذرا من أن التطورات الأخيرة تشكل تهديدا مباشرا لوقف إطلاق النار الدائم.
ملف ناصر واحتجاز رياك مشار
ويأتي هذا التقييم القاتم على خلفية الأحداث التي شهدتها مدينة ناصر في مارس من العام الماضي، وما أعقبها من اعتقال واحتجاز ومحاكمة النائب الأول لرئيس الجمهورية رياك مشار، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي – المعارضة، إلى جانب عدد من قيادات المعارضة، أمام محكمة خاصة في جوبا. واعتبر أوينو أن هذه التطورات تمثل «تهديدا خطيرا بانهيار لا رجعة فيه لوقف إطلاق النار الدائم»، داعيا إلى معالجة هذا الملف كأولوية سياسية عاجلة.
تصاعد القتال وخروقات وقف إطلاق النار
وأشار تقرير آلية الرقابة إلى تصاعد الاشتباكات المسلحة بين قوات دفاع شعب جنوب السودان والقوات التابعة للحركة الشعبية/الجيش الشعبي في المعارضة بقيادة مشار، في ما لا يقل عن ست ولايات من أصل عشر، في خرق واضح لبنود وقف إطلاق النار، ما ينذر باتساع رقعة العنف وعودة المواجهات المفتوحة.
كما لفت التقرير إلى قيام الحكومة بإقالة شخصيات معارضة من مناصب وزارية وتشريعية بقرارات أحادية الجانب، الأمر الذي أدى إلى تآكل متسارع لترتيبات تقاسم السلطة، والتي تعد أحد الأعمدة الرئيسية لاتفاق السلام المنشط.
انسداد سياسي وأزمة إنسانية واقتصادية متفاقمة
ويأتي هذا التصعيد في ظل انسداد سياسي متزايد، حيث تسعى الحكومة إلى تعديل اتفاقية السلام بما يسمح بتأجيل التعداد الوطني وصياغة الدستور، وهو ما يؤدي عمليا إلى ترحيل مراحل أساسية إلى ما بعد الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2026، وسط خلافات حادة لا تزال قيد مراجعة الهيئة الرقابية.
وعلى الصعيد الإنساني والاقتصادي، أفادت «جيميك» بأن الأوضاع في جنوب السودان تواصل التدهور نتيجة تجدد القتال، وتأثيرات الصدمات المناخية، وتراجع قيمة العملة الوطنية، فضلا عن تدفق أعداد متزايدة من النازحين الفارين من الحرب في السودان المجاور، ما يزيد الضغط على الموارد المحدودة والخدمات الأساسية.
مطالب عاجلة للاتحاد الأفريقي
وفي ختام الإحاطة، حث أوينو الاتحاد الأفريقي على اتخاذ خطوات عاجلة، تشمل الضغط على أطراف النزاع لوقف الأعمال العدائية فورا، وإعادة تفعيل آليات تنفيذ اتفاق السلام، وضمان إطلاق سراح رياك مشار بما يتيح استئناف الحوار الوطني الشامل.
الانتخابات كمخرج من الأزمة
كما دعا التقرير الأطراف السياسية في جنوب السودان إلى الاتفاق على خطوات عملية تمهد الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية، باعتبارها مخرجا أساسيا من الأزمة الراهنة، إذا ما أجريت في بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
خلفية الصراع في جنوب السودان
يذكر أن جنوب السودان نال استقلاله عن السودان عام 2011، لكنه انزلق إلى حرب أهلية في عام 2013، غذاها الصراع على السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار. ورغم توقيع اتفاقية السلام عام 2018 وتشكيل حكومة وحدة وطنية هشة، فإن تنفيذ بنود الاتفاق تعثر مرارا بفعل الخلافات السياسية وأعمال العنف المتقطعة.
وترسم إحاطة آلية الرقابة «جيميك» صورة شديدة القتامة لمستقبل الأمن والسياسة في جنوب السودان، واضعة المجتمعين الإقليمي والدولي أمام مفترق طرق حاسم: إما إنقاذ ما تبقى من اتفاق السلام عبر الحوار والإجراءات العاجلة، أو مواجهة خطر الانزلاق مجددا إلى صراع شامل يهدد استقرار البلاد والمنطقة بأسرها.










