القاهرة- المنشر الاخباري- 26 يناير 2026، أعرب يوسف بطرس غالي، وزير المالية المصري الأسبق والخبير الاقتصادي الدولي المعروف، عن رفضه القاطع والحاسم للمقترحات المتداولة حاليا بشأن تسوية الديون الحكومية عبر التنازل عن الأصول العامة أو تحويلها إلى أدوات بديلة.
خلال مداخلة هاتفية في برنامج “المصري أفندي” على قناة الشمس، أكد غالي أن هذه الطروحات تفتقر إلى المنطق الاقتصادي السليم تماما، وتعكس فهما قاصرا لطبيعة الدين العام وآليات السيولة في الاقتصاد الحديث.
وشدد على أن إدارة الدول لا تقوم على “أفكار جهبذية” أو حلول سحرية، بل على سياسات تقليدية راسخة أثبتت فعاليتها عالميا في مواجهة الأزمات الكبرى.الرفض الحاسم: الدين ليس مجرد أرقام
وضح غالي، بأسلوبه الاقتصادي الدقيق، أن الدين الحكومي في جوهره يمثل أموال المودعين الحقيقيين لدى البنوك، وليس مجرد أرقام على الورق. سأل بلاغة: “عندما يطلب المودع أمواله، هل سنمنحه أسهما في شركة ملابس أو أصولا لا يمكن تسييلها بسرعة؟”، في إشارة صريحة إلى خطورة الخلط بين الديون النقدية والأصول غير السائلة.
أضاف غالي أن مثل هذه المقترحات لا تعالج جذور المشكلة، بل تؤجلها وتزيد من تعقيد الوضع المالي للدولة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية التي تشهدها مصر مع ارتفاع تكاليف الخدمة على الدين الخارجي والتضخم المرتفع.
السياق الاقتصادي: أزمة الديون المصرية
تأتي تصريحات غالي في وقت حاسم، حيث يبلغ إجمالي الدين الحكومي المصري أكثر من 10 تريليون جنيه، مع نسبة تصل إلى 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لآخر التقارير الرسمية.
شهدت مصر في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة، بما في ذلك انخفاض قيمة الجنيه، ارتفاع الفائدة، وتأثيرات الصراعات الإقليمية على التجارة والسياحة. المقترحات المرفوضة، التي تتحدث عن تحويل الديون إلى حصص في شركات حكومية أو أراض عامة، انتشرت في بعض الدوائر الإعلامية كحل “إبداعي” لتوفير سيولة فورية، لكن غالي اعتبرها وصفة للفشل، مشيرا إلى أنها تفتقر إلى الاستدامة ولا تلبي احتياجات الدائنين الذين يطالبون بنقد فوري.السياسات التقليدية: الطريق الوحيد للنجاة
أكد غالي أن الأزمات الاقتصادية الكبرى، مثل تلك التي مرت بها اليونان أو الأرجنتين، لم تحل إلا عبر سياسات تقليدية مثبتة: ضبط الإنفاق العام، زيادة الإيرادات الضريبية، إصلاح المصارف، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
في السياق المصري، شدد غالي على ضرورة التركيز على تعزيز الصادرات، دعم القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل بعيدا عن الاعتماد على قناة السويس والسياحة وحدهما.
وأشار إلى أن الحكومة الحالية، حققت تقدما في برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، لكنه حذر من الانحراف نحو حلول غير تقليدية قد تعرقل التعافي.
جدل أطروحات غالي
أثارت مداخلة غالي موجة من التفاعلات على وسائل التواصل، حيث أشاد الاقتصاديون بمواقفه “الواقعية”، بينما انتقد آخرون الحكومة لعدم تبني حلول “جريئة”.
وقال خبير اقتصادي “غالي يذكرنا بأن الاقتصاد ليس لعبة بوكر، بل حسابات دقيقة”. أما الحكومة، فلم تصدر تعليقا رسميا بعد، لكن مصادر مطلعة أكدت التزامها ببرنامج الإصلاح مع الصندوق الدولي، الذي يتضمن صفقات تمويل بـ8 مليارات دولار في 2026.
التأثيرات المحتملة على الاقتصاد المصري
في ظل توقعات بارتفاع التضخم إلى 15% هذا العام بسبب الحروب الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة، يعد موقف غالي حاسما لتوجيه السياسات.
لو تم تبني مقترحات التحويل، قد يفقد مصر ثقة الدائنين الدوليين مثل السعودية والإمارات، مما يرفع تكلفة الاقتراض. بدلا من ذلك، يقترح غالي تعزيز الخصخصة المنظمة، تطوير البنية التحتية، ودعم الزراعة لتحقيق فائض تجاري.
كما دعا إلى إعادة هيكلة الدين الخارجي عبر مفاوضات ثنائية، كما فعلت تركيا مؤخرا.










