يتصاعد الحضور العسكري التركي في الصومال خلال السنوات الأخيرة من مستوى التدريب والدعم الفني إلى شراكة دفاعية شبه شاملة، مع توقيع اتفاقيات دفاعية واقتصادية طويلة الأمد، ونشر قوات تركية بشكل مباشر لدعم الجيش الصومالي في مواجهة حركة الشباب، في مشهد يثير نقاشًا حادًا حول حدود «الدعم» وملامح «النفوذ» في القرن الإفريقي.
أبعاد الاتفاقيات الدفاعية الأخيرة
صادقت الحكومة الصومالية في فبراير 2024 على اتفاقية تعاون دفاعي واقتصادي مع تركيا تمتد لعشر سنوات، تتضمن بناء وتطوير البحرية الصومالية وحماية الموارد الطبيعية في المياه الإقليمية، إلى جانب مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات الجيش.
وُصفت الاتفاقية في الخطاب الرسمي الصومالي بأنها «خطوة تاريخية» لحماية السيادة، في مواجهة تهديدات الإرهاب والقرصنة والنشاطات غير القانونية في الساحل الصومالي، مع إبراز تركيا كـ«حليف موثوق» وعضو في حلف الناتو يمنح مقديشو مظلة سياسية وعسكرية دولية.
الاتفاق لا يقف عند حدود التدريب فقط، بل يفتح الباب أمام بروتوكولات تفصيلية في التسليح، وبناء القوات البحرية، وتأمين الاستثمارات التركية في الطاقة والبنية التحتية.
ويأتي ذلك في سياق تصاعد التوتر في القرن الإفريقي، خاصة بعد الاتفاق المثير للجدل بين إثيوبيا ومنطقة «أرض الصومال»، ما دفع مقديشو إلى البحث عن مظلة دفاعية قوية في مواجهة أي محاولات لفرض أمر واقع على حساب وحدة أراضيها.
القاعدة العسكرية ودور التدريب
يشكّل معسكر «تركسوم» في مقديشو أكبر قاعدة تركية للتدريب العسكري خارج الأراضي التركية، وتُقدَّر طاقته الاستيعابية بنحو 1500 جندي صومالي في الدفعة الواحدة، مع برنامج مستمر لإعادة بناء الجيش من الصفر بعد عقود من الانهيار والحرب الأهلية.
منذ افتتاح القاعدة عام 2017، أشرف الضباط الأتراك على تدريب الآلاف من الجنود والضباط الصوماليين، في إطار مسعى لصناعة نواة جيش وطني محترف، قادر على تولي مهام الأمن بدل الاعتماد شبه الكامل على قوات الاتحاد الإفريقي والقوات الأجنبية الأخرى.
التدريب التركي لا يقتصر على المشاة، بل يمتد إلى برامج متقدمة في قيادة الوحدات، والتخطيط العملياتي، واستخدام الأسلحة الحديثة، بما في ذلك الأنظمة التركية التي بدأت تدخل الخدمة في الصومال.
هذا التشابك بين التدريب والتسليح يمنح أنقرة نفوذًا نوعيًّا داخل المؤسسة العسكرية الصومالية الناشئة، ويجعل أي تغيير في المزاج السياسي في مقديشو مكلفًا عسكريًّا.
تسليح متقدم وتمدد ميداني
خلال السنوات الماضية زوّدت تركيا الجيش الصومالي بمركبات عسكرية مقاومة للألغام من طراز «BMC Kirpi»، إلى جانب آلاف البنادق الهجومية من طراز «MPT-76»، في إطار حزمة دعم تُسوق لها أنقرة بوصفها مساهمة في الحرب على الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا لتوسيع سوق السلاح التركي في إفريقيا.
ويتكامل هذا المسار مع بيع طائرات مسيّرة من طراز «بيرقدار TB2» للصومال، وتنفيذ ضربات جوية تركية ضد أهداف تابعة لحركة الشباب، ما يعني انتقال تركيا من مربع «الشريك التدريبي» إلى «الفاعل القتالي» المباشر على الأرض وفي الأجواء الصومالية.
في 2024 وافق البرلمان التركي على تفويض يسمح بنشر قوات تركية في الصومال لمدة عامين، تزامنًا مع تكثيف العمليات الصومالية ضد حركة الشباب، وهو ما أدّى إلى وصول وحدات تركية إضافية إلى مقديشو، مع حديث عن دور متنامٍ للطيران التركي في توفير الغطاء الجوي للقوات الصومالية.
الخطاب الرسمي يربط هذه الخطوة بتقليص تهديد الجماعات المتطرفة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بينما يرى محللون أنها تعكس انتقال تركيا إلى مرحلة «التموضع العسكري الدائم» في واحدة من أكثر المناطق حساسية ممرًّا وتجارة وموارد.
انتقادات ومعادلات نفوذ متضاربة
في المقابل، تتصاعد التحذيرات من أن يتحول الدعم العسكري التركي إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية في الصومال، عبر تقوية وحدات ووكلاء سياسيين بعينهم على حساب آخرين، بما يفاقم الانقسامات بين المركز والأقاليم، ويُغذي الشكوك لدى أطراف صومالية تخشى «استبدال الوصاية الأجنبية بشكل جديد
قوى إقليمية ودولية تتابع بقلق توسع القاعدة التركية في مقديشو، وتعتبر أن تدريب عشرات الآلاف من الجنود الصوماليين وتسليحهم وفق العقيدة التركية يمنح أنقرة ورقة ضغط إضافية في ملفات البحر الأحمر وخطوط الملاحة والغاز، خاصة مع امتلاكها اتفاقات موازية في مجالات الطاقة مع الصومال.
كما تواجه بعض جوانب الدور التركي انتقادات من داخل منظومة الأمن الدولية في الصومال، إذ رأت تقارير مرتبطة ببعثة الاتحاد الإفريقي أن جزءًا من برامج التدريب يتقاطع مع مهام قوات «أميسوم» و«أتميس»، بما يخلق ازدواجية في قيادة العمليات وخللًا في التنسيق بين الأطراف المختلفة على الأرض.
ويدفع هذا المشهد إلى تساؤلات أوسع: هل يؤدي تكثيف الحضور العسكري التركي إلى تسريع بناء مؤسسات الدولة الصومالية، أم يفتح الباب أمام سباق قواعد ونفوذ جديد في القرن الإفريقي، تكون فيه مقديشو ساحة لتصفية حسابات إقليمية أكثر منها ساحة لبناء دولة مستقلة القرار؟









