عملة تحت المقص الإسرائيلي: كيف تحوّل الشيكل إلى أداة حرب جديدة على غزة؟
قرار وقف أو تقليص استخدام الشيكل في غزة يجري طرحه في الكواليس باعتباره سلاحًا اقتصاديًا جديدًا في مواجهة حماس، عبر خنق النظام النقدي الذي تعتمد عليه الحركة في جباية الضرائب ودفع الرواتب، في ظل أزمة سيولة خانقة أصلاً بفعل القيود الإسرائيلية على إدخال النقد ومنع البنوك من تدوير الفائض من العملة.
جذور أزمة الشيكل في غزةمنذ سنوات، يعتمد الاقتصاد الغزّي على الشيكل الإسرائيلي كعملة رئيسية للتعامل اليومي، إلى جانب استخدام محدود للدولار والدينار في الصفقات الكبرى، بموجب بروتوكول باريس الذي ربط النظام المالي الفلسطيني بالعملة الإسرائيلية.
إسرائيل استغلت هذا الارتباط مرارًا عبر التحكم في كمية النقد المتاحة، من خلال منع إدخال أوراق جديدة، ورفض استقبال الشيكل الفائض من بنوك الضفة وغزة، ما خلق ما يُعرف بـ«فخ السيولة» وتكدّس كميات ضخمة من العملة لا يمكن تدويرها أو استبدالها.
في غزة، تفاقمت الأزمة مع الحرب والحصار وتدمير البنوك، ورفض الاحتلال إدخال أوراق جديدة أو معدنية، ما أدى إلى اهتراء واسع في النقد المتداول، واختفاء فئات صغيرة من الأسواق، حتى وصل الأمر إلى أن تباع بعض العملات الورقية بنسبة عمولة تصل إلى أكثر من 30% مقابل توفير «كاش سليم».
هذه الوضعية جعلت الشارع الغزي أسيرًا لأزمة نقدية مركبة: نقص في السيولة الصالحة للاستخدام، وتلاعب في قيمة الأوراق المهترئة، وتعقيد في قدرة الناس على السحب والتحويل نتيجة خروج معظم الصرافات والبنوك عن الخدمة.
«سلاح الشيكل» في الحسابات الإسرائيلية
في موازاة ذلك، أعاد مسؤولون إسرائيليون وغربيون خلال 2025–2026 تقييم بنية التمويل لدى حماس، وتبعثرت التقديرات بعد أن تبيّن أن الحركة احتفظت باحتياطيات نقدية ضخمة، بعضها من الأموال القطرية السابقة، داخل الأنفاق وخارج النظام المصرفي الرسمي
تقارير صحفية غربية نُقلت عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن حماس نجحت في الإبقاء على قدرتها على دفع رواتب قياداتها وآلاف المقاتلين، وفرضت في المقابل ضرائب وجبايات باهظة على السلع المستوردة والسوق المحلية لتعويض خسائر الحرب، ما يعني أن الضغط العسكري وحده لم يُفقدها أوراقها المالية.
في هذا السياق، بدأ يُطرح داخل الدوائر الإسرائيلية خيار «ضرب المجال النقدي» الذي تعمل فيه حماس، سواء عبر تشديد القيود على الشيكل المتدفق إلى غزة، أو الدفع باتجاه ترتيبات جديدة تحدّ من استخدامه لصالح أدوات دفع مراقبة يمكن تتبعها ومنع الحركة من التحكم فيها.
بعض الاقتراحات العبرية السابقة تضمنت حتى أفكارًا مثل إلغاء ورقة الـ200 شيكل من التداول في غزة، أو إحلال وسائل دفع إلكترونية بضوابط إسرائيلية صارمة، وهي أدوات يراها محللون امتدادًا لحرب ناعمة تستهدف البنية المالية للحركة دون إعلان مباشر.
أثر وقف الشيكل على حياة السكان وحماس
فعليًا، أي خطوة عملية لوقف أو تقليص استخدام الشيكل في غزة ستضرب أولًا حياة السكان، الذين يعتمدون على رواتب بالشيكل، ومساعدات نقدية محدودة، وسوق قائم بالكامل تقريبًا على هذه العملة.
تجارب سابقة أظهرت أن القيود الإسرائيلية على إدخال النقد تسببت في تعطيل صرف الرواتب وصعوبة الوصول للمساعدات وارتفاع تكلفة السلع، ما يعني أن تصعيد هذه الأداة إلى مستوى «منع شبه كامل» قد يفاقم الجوع والفقر ويدفع الناس إلى السوق السوداء والعملات البديلة.
في المقابل، يعتقد مسؤولون وخبراء إسرائيليون أن إضعاف قدرة حماس على استخدام الشيكل في الجباية والدفع سيقلص هامش الحركة في إدارة شؤون القطاع، ويزيد الفجوة بينها وبين الشارع، بعد أن اتُّهمت خلال الفترة الأخيرة بفرض ضرائب قاسية لتعويض خسائرها العسكرية.
لكن محللين آخرين يحذرون من أن حماس تمتلك من المرونة ما يسمح لها بالانتقال إلى تخزين واستخدام عملات أخرى كالدولار والدينار، بينما يبقى المواطن العادي الحلقة الأضعف في أي لعبة عملات مفروضة من الخارج.
حدود «السلاح الاقتصادي» وأسئلته الأخلاقية
تقارير دولية حذّرت من أن استخدام أدوات مالية كالحصار النقدي ومنع تداول عملة رئيسية قد يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، خاصة في ظل وصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية وتفاقم كارثة إنسانية غير مسبوقة.
البنك الدولي وسلطة النقد الفلسطينية نبّها إلى أن تدهور النظام المالي وقطع العلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية، ورفض إسرائيل استلام الشيكل المكدس، يهدد بانهيار شامل للاقتصاد الفلسطيني، وليس فقط بنزع أدوات السيطرة من يد حماس.
في ظل ذلك، تبدو فكرة «وقف استخدام الشيكل» سلاحًا ذا حدين: من جهة، أداة ضغط على حماس وبُنى حكمها، ومن جهة أخرى، آلية لخنق مجتمع بأكمله وتجريده من حقه في تداول عملة متاحة ووسائل دفع مستقرة.
وهنا يطرح خبراء الاقتصاد والقانون سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فصل ضرب حماس اقتصاديًا عن معاقبة مليوني إنسان يعيشون تحت الحصار، أم أن المقاربة الإسرائيلية الجديدة ليست سوى فصل آخر من فصول الحرب الشاملة على المجتمع الغزّي بأسره؟










