ساعة الصفر من نافذة الطائرة: تحذير إسرائيلي للطيران العالمي يمهّد لحرب مع طهران
وجّهت إسرائيل تحذيرًا رسميًا نادرًا لشركات الطيران العالمية العاملة والمتجهة إلى مطار بن غوريون، حددت فيه نافذة زمنية «الأكثر حساسية أمنيًا» مع نهاية الأسبوع المقبل، في خطوة يراها مراقبون إشارة علنية إلى اقتراب تصعيد كبير في المواجهة المفتوحة مع إيران، أو على الأقل استعداد جدي لاحتمال ضربة أمريكية–إسرائيلية وما قد يستتبعها من رد إيراني مباشر أو عبر أذرعها في المنطقة.
مضمون التحذير: «فترة أكثر حساسية» وإمكانية إغلاق الأجواءرئيس سلطة الطيران المدني الإسرائيلية شموئيل زكاي بعث برسالة إلى شركات الطيران الأجنبية أوضح فيها أن عطلة نهاية الأسبوع المقبلة تمثل بداية «فترة أكثر حساسية» أمنيًا للرحلات القادمة والمغادرة، في ضوء التوتر مع إيران والحديث المتصاعد عن ضربة عسكرية محتملة.
الرسالة شددت على أن السيناريو المطروح على الطاولة يشمل إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي «دون تردد» إذا أظهرت التقييمات الأمنية أنه لا يمكن ضمان مستوى أمان معقول للطيران المدني، مع تذكير الشركات بأن إسرائيل سبق أن أغلقت أجواءها في أبريل وأكتوبر 2024 ويونيو 2025 خلال مواجهات مباشرة مع إيران أو أذرعها.
نص التحذير تضمن تأكيدًا على أن أنظمة الدفاع الجوي منتشرة بالكامل وفي أعلى درجات الجاهزية، وأن آليات التنسيق بين المؤسسات الأمنية وسلطة الطيران تعمل بكفاءة كاملة، في رسالة مزدوجة توجَّه إلى الداخل الإسرائيلي وإلى العالم بأن المؤسسة العسكرية تستعد لسيناريو تصعيدي واسع.
كما أشار زكاي إلى أن الأولوية في حال اتخاذ قرار بإغلاق الأجواء ستُمنح للرحلات الأجنبية المغادرة، في إشارة عملية إلى أن إسرائيل تتوقع حالة طوارئ مفاجئة قد تستلزم إخلاء المجال الجوي سريعًا وضمان خروج الطائرات المدنية بأقل قدر من المخاطر.
دلالات التوقيت: بين ضربة أمريكية ورد إيراني
يأتي التحذير وسط تقديرات استخباراتية تتحدث عن احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران خلال الأيام المقبلة، ربطًا بملف البرنامج النووي والتوترات المرتبطة بقمع الاحتجاجات في الداخل الإيراني وتحركات طهران الإقليمية.
مصادر إسرائيلية نقلت عنها القنوات العبرية تقول إن تل أبيب «متأكدة تقريبًا» من أن ضربة أمريكية ضد إيران أصبحت احتمالًا واقعيًا، وإن الجيش الإسرائيلي يرفع مستوى التأهب تحسبًا لرد إيراني مباشر على أهداف داخل إسرائيل أو عبر هجمات صاروخية ومسيرات تنفذها الميليشيات الموالية لطهران في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
في المقابل، تتحدث تقديرات أخرى داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن «نافذة تفاوض محتملة» قد تُفتح بين واشنطن وطهران، لكنها لا تلغي خيار العمل العسكري بل تؤجله أو تعيد صياغته، ما يفسر استخدام لغة التحذير للطيران بنبرة حاسمة مع ترك هامش للتهدئة الممكنة.
هذا المزج بين سيناريو الضربة وسيناريو التفاوض يُقرأ لدى مراقبين على أنه جزء من لعبة «حافة الهاوية»، تستخدم فيها تل أبيب لغة الإنذار المبكر لتوجيه رسائل ردع إلى إيران، ورسائل طمأنة مشروطة إلى الشركاء الغربيين في آن واحد.
انعكاسات على شركات الطيران وحركة السفر
عمليًا، بدأت بعض شركات الطيران الأوروبية بالفعل في تقليص أو إلغاء عدد من رحلاتها إلى إسرائيل، على غرار شركتي ITA الإيطالية وKLM الهولندية، في ضوء حالة عدم اليقين ومخاطر أي تصعيد مفاجئ في المنطقة.
شركات الطيران الإسرائيلية بدورها، مثل «إل عال» و«إسرائير» و«أركيا»، أعلنت عن تخفيف شروط إلغاء التذاكر أو تغيير مواعيد الرحلات بدون رسوم إضافية، وتحضير خطط طوارئ تسمح بإلغاء الرحلات أو تعديل مساراتها إذا تقرر إغلاق المجال الجوي خلال فترة التصعيد المحتملة.
هذه التطورات تعيد إلى الأذهان سابقة يونيو 2025 حين أُغلق المجال الجوي الإسرائيلي خلال مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران شملت إطلاق صواريخ ومسيرات، ما أدى حينها إلى تعطيل واسع لحركة السفر وإرباك في جداول شركات الطيران العالمية.
اليوم، تحاول إسرائيل أن تبدو «أكثر شفافية» مع شركات الطيران من خلال تحذير استباقي يحدد نافذة الخطر، لكنها في الوقت ذاته ترسل رسالة للعالم بأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة في الخليج فقط، بل ستمتد تأثيراتها إلى شرق المتوسط وحركة الطيران في الإقليم.
قراءة سياسية وأمنية لتحذير الطيران
من منظور سياسي، يشكل تسريب مضمون رسالة سلطة الطيران المدني إلى الإعلام العبرية بمثابة أول اعتراف علني بأن المنطقة على مشارف «مرحلة مفصلية» في صراع إيران مع الولايات المتحدة وحلفائها، وأن إسرائيل تستعد لتكون ساحة محتملة للرد أو جزءًا من القوة المنفذة للهجوم.
كما يُنظر إلى الخطوة باعتبارها محاولة من نتنياهو وحكومته لتبرير أي قرارات طارئة لاحقة، مثل إغلاق الأجواء أو تعطيل الحركة الاقتصادية، أمام الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، من خلال التأسيس مبكرًا لخطاب «الأمن أولًا» و«المخاطر القادمة من إيران».
في المقابل، تحذر تحليلات إقليمية من أن مثل هذه الرسائل قد تُستخدم أيضًا كأداة ضغط لجرّ الولايات المتحدة نحو خيار عسكري، عبر تضخيم صورة التهديد الإيراني وتسويق سيناريو «الضربة الاستباقية» بوصفها السبيل الوحيد لردع طهران.
وبين خطاب التحذير وواقع الحسابات المعقدة بين واشنطن وطهران وتل أبيب، يبقى المؤكد أن إشراك شركات الطيران العالمية في لعبة الرسائل الأمنية يشير إلى أن الأيام المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى اقتراب المنطقة من «ساعة الصفر» أو قدرتها على التراجع عن حافة الحرب الشاملة.










