بوابة غزة برخصة من نتنياهو: إعادة فتح محدودة أم شرعنة للوصاية على رفح؟
وافقت إسرائيل على «إعادة فتح محدودة» لمعبر رفح لعبور الأشخاص فقط، ضمن صيغة مشروطة تُبقي السيطرة الأمنية والرقابية في يدها، وتحاول في الوقت نفسه تقديم الخطوة كاستجابة لضغوط دولية وإنسانية، بينما تراها أطراف فلسطينية ومصرية ومنظمات حقوقية تكريسًا لمنطق إدارة الاحتلال للبوابة الوحيدة لغزة على العالم خارج سيطرته المباشرة.
تفاصيل قرار الفتح المحدود وآلية الرقابة
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القرار يأتي «في إطار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب»، ويتضمن فتحًا محدودًا للجانب الفلسطيني من معبر رفح، مخصصًا للمشاة فقط، وخاضعًا لآلية تفتيش إسرائيلية شاملة على كل من يغادر أو يدخل القطاع عبر المعبر.
الخطوة رُبطت بشكل مباشر باستكمال استعادة رفات آخر رهينة إسرائيلي قُتل في غزة، وبالتزام حماس بالبحث عن جثامين بقية الرهائن، وهو ما يعني أن قرار الفتح يظل ورقة تفاوضية وأمنية بيد حكومة نتنياهو، أكثر من كونه استجابة ثابتة لاعتبارات إنسانية أو تجارية.
تشير التسريبات الأولية إلى أن العبور سيتم وفق قوائم أسماء تُرسل مسبقًا إلى الجانب الإسرائيلي للموافقة عليها، مع منع مرور أي بضائع أو شحنات تجارية في هذه المرحلة، والاكتفاء بحركة الأفراد لأغراض إنسانية محددة كالعلاج ولمّ الشمل، بما يُبقي خنق القطاع اقتصاديًّا قائمًا.
وتؤكد مصادر إعلامية أن آلية الرقابة تشمل استخدام كاميرات عالية الدقة وأنظمة متابعة إلكترونية على الجانب الفلسطيني من المعبر، مع إمكانية التدقيق عن بعد في حركة المسافرين، بما يعيد إنتاج نموذج «التحكم عن بعد» الذي سعت إسرائيل إلى ترسيخه في ترتيبات معابر غزة منذ 2005.
الموقف المصري والفلسطيني والتحذيرات القانونية
مصادر مصرية مطلعة تحدثت عن ترتيبات قيد البحث لإعادة تشغيل المعبر وفق صيغة تستند جزئيًّا إلى اتفاق المعابر لعام 2005، تتضمن دورًا أوروبيًّا في المراقبة وإشرافًا فلسطينيًّا على التشغيل اليومي، مع رقابة إسرائيلية غير مباشرة عبر الكاميرات والأنظمة الإلكترونية، وهي صيغة تحاول القاهرة من خلالها تقليص مستوى الاحتكاك المباشر بين موظفيها وبين سلطات الاحتلال.
في المقابل، حذّر خبراء قانونيون مصريون من أن أي قبول بصيغة «سيطرة إسرائيلية كاملة أو شبه كاملة» على الجانب الفلسطيني من رفح يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي ولسيادة كل من مصر وفلسطين، مؤكدين أن دولة احتلال لا تملك الحق في فرض وصاية على معبر حدودي بين دولتين ذات سيادة.
يشير هؤلاء إلى أن الوضع التاريخي للمعبر بعد 2005 قام على إدارة مشتركة مصرية–فلسطينية مع رقابة أوروبية، وأن سيطرة إسرائيل الفعلية على المعبر منذ اجتياحها لرفح في مايو 2024 تُعد خرقًا لاتفاق الحركة والوصول، وتحمل شبهة «ضم فعلي» لجزء من الحدود المصرية–الفلسطينية
منظمات حقوقية فلسطينية ودولية ترى أن ربط فتح المعبر بملف الرهائن، وبشروط معقدة حول قوائم المسافرين وعددهم، يُحوّل حق التنقل والحصول على العلاج إلى أداة ابتزاز سياسي وأمني، ويكرس عقابًا جماعيًّا مستمرًّا لسكان القطاع.
البعد الإنساني والسياسي لقرار الفتح
على المستوى الميداني، تُعد إعادة الفتح المحدودة أمرًا حيويًّا لعشرات الآلاف من الجرحى والمرضى وأصحاب الإقامات في الخارج، لكنها تبقى أقل كثيرًا من مستوى الاحتياجات الحقيقية لسكان غزة، في ظل الدمار الواسع في البنية التحتية والحصار الممتد على المعابر الأخرى.
تقارير من داخل لجان إدارة غزة تشير إلى أن المرحلة الأولى من تشغيل المعبر ستقتصر على حركة الأفراد لفترة قد تمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر، قبل دراسة توسيع آلية التشغيل لتشمل البضائع والمساعدات، وهو ما يعني استمرار الاعتماد على معبري كرم أبو سالم وآليات الأمم المتحدة لإدخال الجزء الأكبر من الإغاثة
سياسيًّا، يحاول نتنياهو استثمار القرار لتخفيف حدة الانتقادات الدولية، عبر الإيحاء بأن إسرائيل تستجيب لمطالب إنسانية وتُيسّر حركة المدنيين، مع الحفاظ على «أقصى درجات الأمن» من خلال التفتيش الشامل والرقابة الإلكترونية، في الوقت الذي تبقى فيه قضايا جوهرية مثل إعادة الإعمار ورفع الحصار خارج أي التزام واضح.
في المقابل، يرى منتقدون في مصر وفلسطين أن القرار جزء من عملية «هندسة للصورة» أكثر منه تغيير حقيقي في السياسة، إذ يكرس عمليًّا دور إسرائيل كمرجع أعلى في كل ما يتعلق بفتح المعبر أو إغلاقه، ويضع القاهرة والسلطة الفلسطينية في موقع المنفذ لشروط فرضها الاحتلال على الأرض.











