من التوجيه الرئاسي إلى قبة البرلمان… كيف تحوّل الخطر الرقمي إلى ملف أمن قومي اجتماعي؟
تشريعات مرتقبة لتنظيم استخدام الأطفال للهواتف المحمولة في مصر بعد تصاعد المخاطر الرقمية، وتحول الملف إلى قضية أمن قومي اجتماعي تشمل الإدمان الرقمي والمحتوى الضار وحماية النشء
لم يعد الجدل حول استخدام الأطفال للهواتف المحمولة مجرد نقاش أسري أو تربوي محدود التأثير، بل تحوّل خلال الفترة الأخيرة إلى قضية تشريعية وأمنية واجتماعية تتصدر أولويات الدولة، في ظل تصاعد المخاطر الرقمية التي تهدد وعي الأجيال الجديدة وتماسك المجتمع على المدى الطويل.
التحرك الرسمي نحو تقنين استخدام الهواتف الذكية للأطفال جاء في سياق سياسي أوسع، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الفضاء الرقمي لم يعد مساحة ترفيه بريئة، بل ساحة مفتوحة للتأثير الثقافي والنفسي والسلوكي، تتحكم فيها منصات عابرة للحدود، لا تخضع لرقابة وطنية مباشرة، وتعمل وفق منطق الربح لا المسؤولية المجتمعية.
من الخطر الفردي إلى التهديد المجتمعي
المتابعات الميدانية أظهرت أن الأطفال باتوا عرضة لمحتوى يتجاوز قدراتهم العمرية، يشمل تطبيقات مراهنات إلكترونية، وألعابًا عالية العنف، وخطابات تطبيع مع السلوكيات العدوانية، إلى جانب أنماط إدمان رقمي تؤثر على النمو النفسي والذهني. هذه المخاطر لم تعد حالات فردية، بل ظاهرة ممتدة تهدد البناء القيمي للأسرة المصرية.
اللافت أن بعض الأطفال باتوا يدخلون هذا العالم دون أي ضوابط عمرية أو رقابة فعلية، في ظل غياب آليات إلزامية للتحقق من السن، ما يجعلهم أهدافًا سهلة لخوارزميات مصممة لجذب الانتباه وتعزيز التعلق والإدمان.
الدولة تدخل على خط المواجهة
التوجيهات العليا بضرورة وضع تشريعات تنظم استخدام الأطفال للهواتف المحمولة مثّلت نقطة تحول، حيث انتقل الملف من دائرة التحذير إلى مربع الفعل التشريعي. هذا التحرك يعكس قناعة سياسية بأن حماية النشء لم تعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل التزامًا مباشرًا على عاتق الدولة، ضمن مفهوم موسّع للأمن القومي الاجتماعي.
البرلمان بدوره بدأ مناقشات موسعة لبحث آليات التطبيق، في محاولة للجمع بين حماية الأطفال وعدم تعطيل مسار التطور التكنولوجي، مع التأكيد على أن الهدف ليس المنع المطلق، بل التقنين والضبط.
تشريع في مواجهة اقتصاد رقمي ضخم
أحد أبرز التحديات يتمثل في أن التشريع الوطني يصطدم بمنظومة رقمية عالمية، تتحكم فيها شركات تكنولوجية كبرى، تملك أدوات التأثير والانتشار. فرض ضوابط على هذه المنصات، أو إلزامها بآليات تحقق عمرية صارمة، يمثل معركة قانونية وسياسية تتطلب تنسيقًا مؤسسيًا وإرادة تنفيذية حقيقية.
في هذا السياق، تبرز تجارب دولية لجأت إلى تحديد أعمار معينة لاستخدام الهواتف أو بعض التطبيقات، وفرضت غرامات على الشركات المخالفة، باعتبار حماية الأطفال أولوية لا تقبل المساومة.
البعد النفسي… جرس إنذار مبكر
دراسات وتحذيرات طبية متخصصة تشير إلى أن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية يؤدي إلى أضرار نفسية وسلوكية لدى الأطفال، من بينها ضعف التركيز، وزيادة التوتر والعصبية، وتراجع القدرات الذهنية، فضلًا عن الدخول في علاقات افتراضية بديلة تهدد التواصل الاجتماعي الطبيعي.
كما أن الاعتماد المفرط على الشاشات يسهم في إفراز أنماط إدمانية مرتبطة بالتحفيز اللحظي، ما ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي وعلى قدرة الطفل على التفكير النقدي وحل المشكلات.
جدل مجتمعي… بين التأييد والتحفظ
التحركات التشريعية أثارت تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر قطاع كبير من المواطنين عن دعمهم للخطوة، معتبرين أنها ضرورة لحماية الأطفال من المحتوى الضار والانفلات الرقمي، بينما شدد آخرون على أهمية التطبيق الجاد وعدم الاكتفاء بإصدار القوانين دون آليات رقابة فعالة.
في المقابل، ظهرت مخاوف محدودة من أن يتحول التقنين إلى تدخل مفرط، إلا أن مؤيدي التشريع يرون أن ترك الأطفال بلا ضوابط رقمية هو الخطر الحقيقي، وليس العكس.
ما بعد القانون
يبقى التحدي الأكبر في مرحلة ما بعد التشريع، حيث يتوقف النجاح على قدرة الدولة على تنفيذ القانون على أرض الواقع، وإلزام المنصات الرقمية بالامتثال، إلى جانب إطلاق حملات توعية شاملة تستهدف الأسرة والمدرسة معًا.
في النهاية، لم يعد الهاتف الذكي مجرد جهاز في يد طفل، بل بوابة مفتوحة على عالم شديد التعقيد. وضبط هذه البوابة لم يعد خيارًا، بل ضرورة سياسية ومجتمعية لحماية مستقبل جيل كامل.













