خطة ترامب بين يدي نتنياهو: توافق في الصورة وخلاف في التفاصيل
زيارة المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف إلى إسرائيل، برفقة جاريد كوشنر ومسؤولين من فريق الرئيس دونالد ترامب، كشفت عن خريطة معقدة لمساحات التوافق والاختلاف بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، حيث يلتقي الطرفان على الأهداف العامة في غزة وإزاء إيران، بينما تتصاعد التباينات حول التفاصيل التنفيذية، وتوقيت الخطوات، وحدود المغامرة العسكرية في الإقليم.
ملفات الزيارة: غزة أولاً ثم إيرانوصل ويتكوف وكوشنر إلى إسرائيل في زيارة وُصفت بأنها مفاجئة وغير مخطط لها مسبقًا، بطلب من نتنياهو، بعد الإعلان عن ترتيبات «الفتح المحدود» لمعبر رفح وخطة ترامب متعددة النقاط بشأن غزة.
الوفد الأمريكي بحث مع نتنياهو «الخطوات المقبلة في قطاع غزة»، بما يشمل فتح رفح، وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب المتعلقة بتحويل وقف إطلاق النار إلى ترتيبات دائمة، وإطلاق مسار إعادة الإعمار تحت إشراف «مجلس السلام» الذي يتصدر ترامب رئاسته.
بالتوازي، تزامنت الزيارة مع وجود قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الجنرال براد كوبر في إسرائيل، لبحث ترتيبات أمنية أوسع، تشمل التوتر مع إيران واحتمالات التصعيد في لبنان وسوريا.
هذا التزامن بين المسار السياسي (ويتكوف/كوشنر) والمسار العسكري (سنتكوم) يعكس رغبة واشنطن في إدارة ملف غزة والملف الإيراني كلوحة واحدة مترابطة، وليس كأزمات منفصلة.
مساحات التوافق: الأهداف الكبرى والشكل العامفي تصريحات علنية، أكد ويتكوف أن المباحثات مع نتنياهو كانت «بنّاءة وإيجابية»، وأن هناك توافقًا واسعًا على «الخطوات المقبلة» في غزة، وعلى ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب المكوّنة من نقاط متعددة حول نزع سلاح القطاع، وترتيبات الأمن، وإعادة الإعمار
الجانبان متفقان على مجموعة من المبادئ العامة، أبرزها: منع عودة حماس إلى السيطرة العسكرية على غزة، بناء صيغة حكم محلية بديلة تحت مظلة إقليمية–دولية، إبقاء التنسيق الأمني عالي المستوى، واستخدام ملف إعادة الإعمار كرافعة لإعادة تشكيل الواقع السياسي في القطاع.
كما يلتقي ترامب ونتنياهو في الرؤية تجاه إيران، حيث كشفت تقارير أمريكية أن الاثنين ناقشا في لقاء سابق في فلوريدا إمكانية توجيه ضربة جديدة لإيران خلال 2026، ضمن مشاورات أوسع حول الرد على برنامجها النووي وتحركاتها الإقليمية
هذا التلاقي في الهدف – كبح نفوذ إيران في غزة ولبنان وسوريا، وربطه بمستقبل القطاع – يمنح العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية ظاهرًا موحَّدًا، مع استمرار الدعم العسكري والغطاء السياسي الأمريكي لإسرائيل.
مناطق الخلاف: سرعة التنفيذ وحدود القوة
رغم خطاب «التوافق»، تشير تقارير دبلوماسية وتسريبات إعلامية إلى أن فريق ترامب يزداد إحباطًا من أداء نتنياهو، ويرى أنه يبطئ تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ويُبقي وقف إطلاق النار في حالة «هشّة» دون تقدم سياسي حقيقي.
مصادر في البيت الأبيض نقلت عن مسؤولين قولهم إن نتنياهو يمارس سياسة «نعم ولكن» مع خطة ترامب: يرحب علنًا بالإطار العام، ثم يدخل في تفاصيل تكتيكية تعرقل فتح معبر رفح بالكامل، وتأخير ترتيبات الحكم والإعمار، بما يحافظ له على مساحة مناورة داخلية وإقليمية.
على صعيد إيران، يظهر اختلاف في وتيرة وحجم التصعيد؛ فبينما يطمح جزء من فريق ترامب إلى «عمل عسكري سريع وحاسم»، تحاول المؤسسة العسكرية الأمريكية موازنة الرغبة في الردع مع تجنب حرب إقليمية واسعة، في حين يسعى نتنياهو إلى استثمار أي ضربة أمريكية لتثبيت قيادته داخليًا، وربما توسيع هامش حركة إسرائيل في الجبهة اللبنانية.
هذا التباين بين حسابات واشنطن الإستراتيجية وحسابات نتنياهو السياسية يجعل زيارة ويتكوف ساحة لإعادة ضبط الإيقاع، أكثر من كونها مجرد إعلان عن توافق مطلق.
ما بعد الزيارة: إدارة مشتركة أم شدّ حبال؟
تحاول إدارة ترامب عبر ويتكوف وكوشنر تثبيت صورة «الشراكة الكاملة» مع إسرائيل، لكن التسريبات تُظهر أن جزءًا من الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي بات أقل حماسًا لأسلوب نتنياهو في إدارة الحرب والسلام، ويريد نتائج أسرع وملموسة في غزة قبل الاستحقاقات الداخلية الأمريكية.
في المقابل، يظهر نتنياهو حريصًا على عدم الاصطدام المباشر مع ترامب، لكنه يسعى إلى الحفاظ على هوامش مناورة تسمح له بمخاطبة قاعدته اليمينية المتشددة في إسرائيل، وعدم تقديم تنازلات سريعة في ملفات مثل شكل الحكم في غزة، وحدود أي تهدئة في لبنان.
هذا الوضع يخلق معادلة دقيقة: توافق على العناوين الكبرى (أمن إسرائيل، تحجيم حماس، الضغط على إيران، إدارة معبر رفح وإعادة إعمار غزة)، مقابل اختلافات متزايدة حول التفاصيل الدقيقة، ومن يملك حق الكلمة الأخيرة في توقيت الخطوة التالية وحجمها.
ومع استمرار الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، وتزايد الحديث عن «مرحلة ثانية» في غزة و«مرحلة جديدة» في المواجهة مع إيران، تبدو زيارة ويتكوف أقرب إلى محاولة لرسم خطوط حمراء متبادلة، لا إلى توقيع شيك على بياض لنتنياهو كما كان يُعتقد في بدايات الحرب.










