كيف يحوّل الاحتفال بعيد الشرطة في مصر الصراع حول الذاكرة التاريخية والسياسة إلى جدل شعبي وسياسي واسع؟
في كل عام، ومع حلول عيد الشرطة، تتجدد المناقشات حول العلاقة بين الدولة المصرية وثورة 25 يناير 2011، الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وغيرت المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد. هذا العام، أثار احتفال وزارة الداخلية بعيد الشرطة، المصحوب بظهور عدد من ضباط “أمن الدولة” السابقين على الشاشات، جدلاً واسعًا بين مؤيدي الثورة والنشطاء السياسيين، الذين يرون في هذا الظهور محاولة لتقديم سردية أحادية تُهمش أحداث الثورة الشعبية وتربطها بالمؤامرات الداخلية والخارجية.
تقرير نشره موقع “العربي الجديد” بتاريخ 25 يناير 2026، تحت عنوان “ضباط أمن الدولة يتصدرون المشهد قبل 15 عامًا على يناير”، أشار إلى أن وزارة الداخلية ركزت في احتفالاتها على تهنئة منتسبي الجهاز الأمني والشرطة، متجاهلة أي ذكر للثورة التي غيّرت مسار السياسة المصرية. ويصف التقرير هذا التجاهل بأنه “إنكار للأخطاء التاريخية”، حيث تم بث بيانات رسمية على ألسنة قيادات بالدولة تحمّل الثورة مسؤولية الأزمة الاقتصادية الحادة وارتفاع الأسعار وتراجع سقف الحريات، بما في ذلك التضييق على العمل الحزبي والنشاط الحقوقي.
المقال سلط الضوء على ظهور ضباط سابقين، أبرزهم اللواء “حسن عبد الرحمن”، رئيس جهاز “مباحث أمن الدولة”، عبر قناة “صدى البلد”، حيث أكد أن أحداث 25 يناير لم تكن عفوية، بل كانت مؤامرة مدبرة تهدف إلى زعزعة استقرار الدولة. وأضاف عبد الرحمن أن جهاز أمن الدولة كان يعمل بالتنسيق مع القوات المسلحة قبل اندلاع الثورة، وأنهم أعدوا مذكرات حول المخاطر المحتملة بالتعاون مع جهاز المخابرات الحربية.
في الوقت نفسه، استغل عدد من الإعلاميين المعروفين مثل محمد الباز ونشأت الديهي المشهد للحديث عن الثورة، وتكرار خطاب مؤامراتي يربط بين الثورة والدول الغربية والولايات المتحدة، بهدف “تغيير نظام الحكم وزعزعة الاستقرار”، وفق وصف المقال. هذا الخطاب أثار استياءً واسعًا بين ناشطي الثورة ومواطنين، الذين رأوا في تجاهل ذكرى الثورة محاولة لتقديم سردية رسمية أحادية تمثل السلطة الحالية فقط، وتغفل مساهمة الشعب المصري في تحقيق التغيير.
ولم يقتصر الجدل على الإعلام فقط، بل وصل إلى البرلمان أيضًا. فقد أكد عدد من البرلمانيين، مثل رئيس حزب الجيل ناجي الشهابي، على عدم الاعتراف بعيد الثورة واعتباره مجرد ذكرى رسمية للشرطة. ويشير التقرير إلى أن هذا الموقف يعكس الانقسام السياسي العميق حول كيفية تقييم أحداث يناير، وما إذا كانت الثورة حقًا تعبيرًا شعبيًا عن رغبة المواطنين في التغيير، أم أنها “مؤامرة” كما تصوّرها بعض الشخصيات الأمنية السابقة.
كما يلفت التقرير الانتباه إلى أن بعض الشخصيات المرتبطة بالأجهزة الأمنية السابقة لها ارتباطات مالية واستثمارية، مثل إنشاء شركة “فيوتشر للاستثمار الرياضي” وعمليات استثمارية في الإمارات، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية الخطاب الإعلامي والسياسي عن المصالح الاقتصادية للأجهزة.
هذه الصورة الكاملة للمشهد تضع مصر في مفترق طرق: الاحتفال بعيد الشرطة من جهة، والحفاظ على الذاكرة الشعبية للثورة من جهة أخرى. ويشير التقرير إلى أن محاولة إغفال الثورة واعتبارها “مؤامرة” يمكن أن تخلق حالة من الالتباس بين المواطنين، وتفتح أبوابًا للجدل والنقاش حول حقوق التعبير، وحرية الإعلام، وموثوقية سرديات الدولة حول التاريخ.
ويخلص التقرير إلى أن معالجة هذا التحدي تتطلب خطوات دقيقة: إعادة النظر في الطريقة التي تحتفل بها الدولة بالذكرى، ضمان وجود خطاب إعلامي متوازن يحترم تاريخ الثورة، وتأهيل المجتمع المدني للتفاعل مع الذاكرة الوطنية دون تحريف، مع الحفاظ على دور مؤسسات الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار.
في النهاية، تظل أحداث يناير 2011 علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، واستمرار الجدل حولها يعكس صعوبة التوازن بين الاحتفاء بالإنجازات الأمنية من جهة، والاعتراف بالمطالب الشعبية والتضحيات التي قام بها المصريون من جهة أخرى.













