القاهرة – المنشر الاخباري، 27 يناير 2026 يدخل نزاع سد النهضة الإثيوبي منعطفا تاريخيا مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته التدخل كوسيط مباشر بين القاهرة وأديس أبابا، ويمثل هذا الدخول الذي يأتي في سياق ترتيبات إقليمية كبرى نقطة تحول تضع الدبلوماسية المصرية أمام معادلة معقدة تهدف إلى استثمار النفوذ الأمريكي لضمان أمن مائي مستدام في مقابل الانخراط في التزامات إقليمية ضمن “مجلس السلام” المقترح من واشنطن لإدارة صراعات المنطقة.
العودة إلى دبلوماسية الصفقات
أعطى إعلان ترامب الأخير زخما قويا للمفاوضات المتعثرة مدعوما بجولات مكوكية لنائب وزير الخارجية كريستوفر لاندوا شملت دول الحوض والقرن الأفريقي، وترتكز رؤية ترامب على صياغة اتفاق عادل يمنع الانفجار العسكري في المنطقة معتمدا على قدرته على فرض شروط اقتصادية وسياسية صارمة على الجانب الإثيوبي تشبه في جوهرها اتفاقيات إبراهيم.
ومن جانبها تصر القاهرة على أن أي حل يجب أن يمر عبر التمسك بالمرجعية القانونية المتمثلة في اتفاقيات 1929 و1959 لضمان حصة الـ 55.5 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى انتزاع ضمانات فنية تمنع ملء السد دون توافق مسبق وتحظر إقامة أي سدود مستقبلية في دول المنابع دون تنسيق كامل.
كما تشير إلى أن استكشاف بدائل لمياه النيل مثل تحلية مياه البحر لا يعد تنازلا عن الحقوق التاريخية، بل إجراء احترازي لضمان استقرار إمدادات المياه لحوالي 100 مليون مواطن يعتمدون على النيل بنسبة 97%.
الفرص الاستراتيجية لمصر
يشكل دخول ترامب فرصة لمصر لتحقيق مكاسب استراتيجية متعددة. إذ يمكن للوساطة الأمريكية أن تضمن استمرارية الحقوق المائية المصرية ومنع ملء السد دون موافقة القاهرة، مع آليات ضغط محتملة على إثيوبيا تشمل تجميد مساعدات مالية.
كما يعزز التدخل الأمريكي الدور الإقليمي لمصر، خاصة من خلال مشاركتها المحتملة في مجلس السلام المقترح من واشنطن، الذي يضم دولا مثل السعودية والإمارات وإسرائيل لتنسيق الملفات الأمنية في غزة والسودان وليبيا. ويتيح ذلك لمصر تعزيز نفوذها في المنطقة دون تقديم تنازلات كبيرة، مع إمكانية الحصول على دعم أمريكي لمشاريع تحلية المياه الكبرى، بما يقلل الاعتماد على النيل تدريجيا دون فقدان الحقوق القانونية.
تحديات مجلس السلام ومخاطر الفخ الدبلوماسي
مع الفرص تأتي تحديات جسيمة قد تحول الوساطة إلى فخ دبلوماسي، فقد تسعى إدارة ترامب إلى فرض اتفاق مرحلي يتجاهل المعاهدات التاريخية، يسمح بملء السد جزئيا دون ضمانات واضحة.
كما من المحتمل أن تطلب واشنطن مقايضات أمنية، تشمل ترتيبات في غزة أو تعزيز التعاون العسكري في البحر الأحمر، مما قد يثير انتقادات عربية ويضع القاهرة تحت ضغوط إضافية.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي تدخلات أطراف ثالثة مثل دول خليجية أو خلافات داخل الإدارة الأمريكية إلى تعقيد المفاوضات، فيما قد يفسر الضغط على إثيوبيا كإكراه غير مباشر على مصر لقبول جدول أعمال يركز على السلام دون معالجة الحقوق القانونية.
وفي حال تعثرت المفاوضات، قد تلجأ إثيوبيا إلى شركاء آخرين مثل روسيا أو الصين، ما يقلل من تأثير الدعم الأمريكي على مصر في مجلس السلام.
مصر وترامب إلى أين؟
يشكل تدخل ترامب فرصة نادرة لإنهاء أزمة سد النهضة، لكنه يتطلب حذرا شديدا للحفاظ على الحقوق المائية لمصر. وتعتبر مشاركة مصر في مجلس السلام المفتاح لتحقيق توازن استراتيجي بين المكاسب المائية والالتزامات الإقليمية، شريطة أن تكون مصحوبة باتفاق عادل ومستدام يحمي مصالح القاهرة على المدى الطويل.










