موانئ للبيع وحدود بلا سيادة: كيف تُقسَّم منطقة القرن الإفريقي على موائد النفوذ؟
تشهد منطقة القرن الإفريقي منذ مطلع 2024 وحتى بدايات 2026 موجة متصاعدة من التوترات السياسية والأمنية، تتقاطع فيها حروب داخلية مفتوحة، وصراعات حدودية، وتنافس إقليمي ودولي على الموانئ والممرات البحرية وموارد الطاقة، ما يضع الإقليم على حافة انفجار أوسع يتجاوز حدوده الجغرافية التقليدية إلى البحر الأحمر والساحل والصحراء.
خريطة الأزمات الساخنة في الإقليم
تتصدّر الحرب في السودان المشهد بوصفها أخطر نزاع مسلح متواصل في الإقليم، مع تحول البلاد إلى ساحة قتال مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وانقسام فعلي بين مناطق نفوذ وحكومات أمر واقع، وتفاقم كارثة إنسانية تُوصف بأنها الأكبر عالميًّا حاليًّا.
في إثيوبيا، ورغم اتفاق بريتوريا لإنهاء حرب تيغراي، لا تزال هشاشة التسوية واضحة مع بقاء بؤر توتر في الأقاليم الأخرى، وتنامي النزعة المركزية للحكومة الفيدرالية في مواجهة مطالب قوميات متعدّدة، ما يبقي خطر الانفجار الداخلي قائمًا.
الصومال بدوره يقاتل على جبهتين؛ الأولى ضد حركة الشباب التي تواصل شن هجمات على مؤسسات الدولة والقوات الحكومية، والثانية في مواجهة تداعيات مذكرة التفاهم الإثيوبية مع إقليم «أرض الصومال» بشأن منفذ بحري، والتي تعتبرها مقديشو اعتداءً سافرًا على سيادتها ووحدة أراضيها.
أما إريتريا وجيبوتي فتبدو أوضاعهما أكثر استقرارًا نسبيًّا، لكنهما منخرطتان في موازين القوى الإقليمية، عبر علاقات عسكرية واقتصادية مع أطراف متنافسة، بما يجعل استقرارهما مشروطًا بمسار الصراع حولهما.
البحر الأحمر وتحول التوتر إلى مسرح نفوذ
يرتبط القرن الإفريقي عضويًّا بالبحر الأحمر، الذي غدا أحد أكثر مسارح التنافس الجيوسياسي سخونة مع تعدد القواعد العسكرية في جيبوتي، وتزايد الحضور البحري للقوى الإقليمية والدولية.
تشير تقارير إلى وجود ما لا يقل عن 12 نزاعًا أو توترًا دوليًّا وإقليميًّا له بعد مباشر أو غير مباشر في البحر الأحمر، مرتبط بأدوار إثيوبيا، ومشروعات قواعد على السواحل السودانية، وتنافس على الموانئ في الصومال وإريتريا وجيبوتي.
التطورات في اليمن وهجمات الحوثيين على الملاحة زادت من حساسية الممر، وربطت أمن البحر الأحمر بالأزمات داخل القرن الإفريقي، ما يجعل أي انفجار في السودان أو الصومال أو إثيوبيا عنصر تهديد لسلاسل التجارة العالمية.
في هذا السياق، يبرز الحديث عن «حزام نفوذ» يمتد من موانئ القرن الإفريقي إلى شرق المتوسط والخليج، تتحرك فيه تركيا وإيران وإسرائيل وقوى خليجية، كلٌّ وفق حساباته الأمنية والاقتصادية.
تنافس القوى الإقليمية والدولية
تحذّر دراسات حديثة من أن القرن الإفريقي تحوّل إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى عربية وإقليمية ودولية، حيث تعزز تركيا حضورها العسكري والاقتصادي في الصومال وجيبوتي، مستفيدة من تعاون وثيق مع إثيوبيا، بما يثير مخاوف على المصالح المصرية في حوض النيل والبحر الأحمر.
في المقابل، تتحرك مصر لتوسيع انخراطها في القرن الإفريقي عبر اتفاقيات دفاع مشترك مع الصومال، ومساعٍ لاستعادة دورها في البحر الأحمر، في ظل تمدد إثيوبي متزايد ومحاولات أديس أبابا الحصول على منفذ بحري دائم عبر أرض الصومال.
القوى الخليجية، خصوصًا الإمارات والسعودية، تستثمر في الموانئ والبنى التحتية والمشروعات اللوجستية، وتبني شراكات أمنية مع دول الإقليم لضمان أمن الممرات البحرية واستدامة النفوذ الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، تتواجد قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي بأشكال متعددة؛ من القواعد العسكرية في جيبوتي، إلى مهام مكافحة القرصنة، مرورًا بمبادرات الوساطة وملفات إعادة الإعمار، ما يعقّد أي محاولة لبناء منظومة أمن إقليمي مستقلة.
هشاشة داخلية وأفق غامض للاستقرار
المشهد الداخلي في دول القرن الإفريقي يتسم بتراجع واضح في مؤشرات الديمقراطية، وعودة الانقلابات العسكرية في أجزاء واسعة من إفريقيا، إلى جانب تضييق مساحات المجتمع المدني وحرية الإعلام، وهو ما يزيد من احتمالات إعادة إنتاج دور الجيوش كفاعل سياسي أول.
تظهر «حروب الوكالة» كأحد أهم مهددات الاستقرار، إذ تتغذى النزاعات المحلية على التمويل والتسليح الخارجي، وتُستخدم فيها الجماعات المسلحة والميليشيات كأدوات لتحقيق أهداف إقليمية، في السودان وإثيوبيا والصومال على حد سواء.
تقارير استراتيجية حديثة ترى أن تشابك الصراعات في القرن الإفريقي مع أزمات الساحل والصحراء والبحر الأحمر يجعل أي تسوية جزئية هشة وقابلة للانهيار، ما لم تُدعَم بإصلاحات سياسية عميقة، وتنمية اقتصادية تقلّص قاعدة التجنيد للجماعات المتطرفة.
وفي ظل التنافس الحاد على الموانئ والممرات البحرية والموارد، يخشى مراقبون من أن تتحوّل دعوات «الأمن الجماعي» إلى غطاء لتثبيت نفوذ جيوسياسي طويل الأمد، بدلًا من معالجة جذور الفقر والتهميش والفساد التي تغذي دورات العنف.










