في الأيام الأخيرة تسارعت التحركات العسكرية والأمنية إقليميا ودوليا، في مشهد يعكس لحظة توتر مكتوم على أكثر من جبهة من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية وآسيا.
هذه التطورات ترسم لوحة معقدة يتداخل فيها الردع بالقوة مع محاولات التهدئة والدبلوماسية، وسط مخاوف من انزلاق مفاجئ إلى مواجهات أوسع.
الشرق الأوسط: استعراض قوة على حافة التصعيد
الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في الشرق الأوسط بإرسال مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» وتشكيلات مرافقة، في تحرك وصفته الإدارة الأمريكية بأنه يهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي» وردع أي تصعيد محتمل مع إيران.
ترافق ذلك مع نشر أنظمة دفاع جوي إضافية من طراز باتريوت و«ثاد» في عدد من القواعد، بما يعكس استعدادا لسيناريوهات هجمات صاروخية أو مسيّرة تستهدف مصالح واشنطن وحلفاءها.
في المقابل، حرصت السعودية على توجيه رسالة واضحة بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لأي عمليات عسكرية ضد إيران، في إشارة إلى رغبة الرياض في النأي بنفسها عن مواجهة مباشرة، رغم استمرار حالة الشد والجذب الإقليمي.
هذا الموقف يتقاطع مع تحركات مصرية دبلوماسية تهدف إلى احتواء التصعيد وفتح قنوات اتصال بين واشنطن وطهران، في محاولة لفرض منطق التهدئة قبل انفجار الوضع.
في غزة، ورغم تراجع حدة المواجهات الواسعة، تواصل إسرائيل عمليات عسكرية محدودة واغتيالات تستهدف قيادات ميدانية، بالتوازي مع تثبيت ترتيبات أمنية جديدة على الأرض، ما يبقي الملف الفلسطيني في حالة غليان منخفضة يمكن أن ترتفع حرارته في أي لحظة.
وعلى الحدود الشمالية، تستمر مناوشات مدروسة مع حزب الله في إطار لعبة توازن دقيق بين الرغبة في تجنب حرب شاملة والحفاظ على معادلات الردع المتبادل.
إيران بين ضغط الشارع وحصار السلاح
الملف الإيراني بات محور معظم التحركات العسكرية والدبلوماسية، إذ تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: احتجاجات داخلية واسعة النطاق، وضغوط أمريكية متصاعدة، وحسابات إقليمية معقدة.
واشنطن رفعت سقف التهديدات العلنية بالرد «القوي جدا» في حال تعرض المتظاهرون في إيران لقمع دموي، وربطت ذلك بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية أو عقابية تستهدف بنية النظام الأمنية.
في الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات على دور صيني متنامٍ في الملف الإيراني من بوابة الأمن والاستخبارات، مع تقارير عن سعي بكين إلى الحد من عمليات أجهزة غربية وإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية، في إطار تفاهمات أوسع مع طهران على التعاون الأمني.
هذه الحركة تضيف بعدا دوليا جديدا للصراع الخفي حول إيران، حيث تصبح أراضيها ساحة تنافس استخباراتي بين قوى كبرى أكثر من كونها مجرد ملف نووي أو إقليمي.
الخليج من جانبه يحاول التوازن بين استضافة قوات أجنبية لأغراض الردع، وبين تجنب التورط في أي ضربة مباشرة، ما يفسر خطابا مزدوجا يجمع بين دعم استقرار المنطقة ورفض استخدام أراضي هذه الدول كنقطة انطلاق لهجمات.
هذا النهج يعكس إدراكا بأن أي مواجهة مفتوحة مع إيران ستجعل دول الخليج خطوط تماس أولى عسكريا واقتصاديا.
أوكرانيا وأوروبا: حرب تستنزف الجميع
على الجبهة الأوروبية، تستمر الحرب في أوكرانيا بوتيرة بطيئة لكنها دامية، حيث حققت القوات الروسية تقدما محدودا على الأرض خلال العامين الماضيين، فيما يعتمد الغرب على إمدادات السلاح والضغط الاقتصادي في محاولة لإبطاء هذا الزحف.
التقارير تشير إلى أن وتيرة التقدم الروسي تقاس بعشرات الأمتار يوميا في مناطق معينة، مقابل كلفة بشرية ومادية عالية للطرفين، ما يحول النزاع إلى حرب استنزاف طويلة.
الهجمات الروسية الأخيرة بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مناطق مدنية، بينها ضربات قاتلة في أوديسا، أعادت إلى الواجهة النقاش في العواصم الأوروبية حول جدوى الاكتفاء بالدعم الدفاعي لكييف دون الانتقال إلى خيارات أكثر حزما.
في المقابل، يثير الحديث عن احتمالية احتكاك مباشر بين روسيا وحلف الناتو قلق مراكز التقدير الاستراتيجي، التي تضع سيناريوهات لأزمات محتملة في 2026، من بينها توسع رقعة الحرب أو انتقالها إلى مساحات بحرية وجوية جديدة.
في هذا السياق، تتكثف المناورات المشتركة داخل أوروبا وحولها، سواء على مستوى الناتو أو في أطر ثنائية، بهدف رفع الجاهزية وردع أي اختبار روسي لصلابة الحلف، ما يجعل القارة ساحة مفتوحة لاستعراض القدرات العسكرية أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة.
آسيا ومناطق التماس الجديدة
بعيدا عن ضجيج الشرق الأوسط وأوكرانيا، تشهد آسيا بدورها تحركات عسكرية وأمنية تعكس إعادة تشكيل لموازين القوى، خصوصا في العلاقة بين الصين وروسيا من جهة، والصين والغرب من جهة أخرى.
الزيارات المتبادلة بين مسؤولين عسكريين صينيين وروس، والتأكيد المتكرر على «تعزيز التنسيق الاستراتيجي» ورفع القدرة المشتركة على مواجهة المخاطر، تشير إلى تكوين محور دفاعي أعمق من مجرد تعاون تكتيكي.
إلى جانب ذلك، لا يغيب ملف تايوان عن حسابات مراكز التقدير، حيث تضع تقارير أمنية احتمال اندلاع أزمة في مضيق تايوان ضمن السيناريوهات الأكثر ترجيحا في السنوات القليلة المقبلة، سواء عبر حصار بحري وجوي أو عبر اختبارات متزايدة لقدرة واشنطن على الرد.
كما تشهد بعض الدول الآسيوية نزعات متزايدة لتوسيع دور الجيوش في الداخل تحت لافتة مكافحة الإرهاب، كما هو الحال في إندونيسيا حيث أثار مشروع لتوسيع صلاحيات الجيش في عمليات الأمن الداخلي جدلا حول عسكرة السياسة.
هذه التحركات تجعل آسيا حلقة مركزية في أي قراءة لمستقبل الأمن الدولي، خاصة مع امتلاكها نقاط اشتعال كامنة من شبه الجزيرة الكورية إلى بحر الصين الجنوبي، ما يفرض على القوى الكبرى توزيع مواردها العسكرية بين جبهات متعددة في وقت واحد.
ملامح مشهد أمني عالمي جديد
عند جمع خيوط الصورة من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، يبدو أن العالم يتجه نحو نمط جديد من «العسكرة المقننة»؛ حيث تتحرك الجيوش والقطع البحرية وأنظمة الدفاع الصاروخي بكثافة، لكن ضمن حدود مدروسة لتفادي الانفجار الشامل.
هذا النمط يعتمد على رفع كلفة أي مغامرة عسكرية للطرف الآخر عبر استعراض القوة، بالتوازي مع فتح قنوات اتصال خلف الكواليس تسمح بإدارة الأزمات دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
في المقابل، يظل عنصر المفاجأة قائما: خطأ في الحسابات، أو ضربة خاطئة، أو حادث عرضي في البحر أو الجو، قد يحول هذا «التصعيد المُدار» إلى مواجهة مباشرة لا ترغب فيها الأطراف لكنها تجد نفسها مندفعة إليها.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، حيث تتعايش لغة الحشود العسكرية مع خطاب التهدئة، في عالم يتغير ميزان القوة فيه بسرعة، بينما تبقى الشعوب على خطوط النار أو تحت الظل الثقيل لأسلحة لا تزال صامتة حتى الآن.










