القاهرة- المنشر الاخباري، 28 يناير 2026، تشهد مصر منذ مطلع عام 2025 تصعيدا ملحوظا في حملات الاعتقال والترحيل القسري بحق اللاجئين السودانيين، ما أثار موجة قلق واسعة لدى منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، وسط تحذيرات من انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي.
ووثقت منظمات حقوقية، من بينها منصة اللاجئين في مصر، اعتقال أكثر من 1128 لاجئا سودانيا خلال الربع الأول من عام 2025، في حين تشير تقديرات حقوقية إلى أن أعداد المرحلين خلال عامي 2024–2025 قد تتراوح بين 20 و43 ألف شخص.
وفي 14 يناير/كانون الثاني 2026، وجه خبراء تابعون للأمم المتحدة مذكرة تحذيرية إلى الحكومة المصرية، طالبوا فيها بوقف هذه الانتهاكات بشكل فوري.
خلفية الأزمة السودانية واللجوء إلى مصر
اندلع النزاع المسلح في السودان في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى نزوح ملايين المدنيين ووقوع انتهاكات جسيمة، شملت القتل والعنف الجنسي وتدمير البنية التحتية.
ونتيجة لذلك، فر نحو 1.2 مليون سوداني إلى مصر، لتصبح أكبر دولة مستقبلة للاجئين السودانيين عالميا.
ورغم تسجيل الغالبية لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، واجه كثيرون صعوبات كبيرة في استكمال الإجراءات الحكومية، مع تأجيل مواعيد التسجيل الرسمية إلى ما بعد عام 2029، ما جعل آلاف اللاجئين عرضة للاعتقال باعتبارهم “مخالفين”.
حملات الاعتقال والترحيل
بدأت حملات الاعتقال بشكل مكثف عقب صدور القرار رقم 3326 لسنة 2023، وشملت مداهمات في القاهرة والجيزة والإسكندرية، إضافة إلى توقيفات عشوائية في محطات المترو ووسائل النقل العام، وصفت بأنها تتم على أساس اللون والمظهر.
وأفادت مصادر حقوقية بأن المعتقلين يحتجزون في ظروف غير إنسانية، تتراوح مدة الاحتجاز فيها بين أيام وستة أسابيع، قبل نقلهم إلى أسوان وترحيلهم عبر معبر قسطل–أشكيت الحدودي، دون إجراء تقييم فردي لمخاطر الإعادة إلى السودان. وأكد مسؤول أمني أن ما يصل إلى 2000 سوداني أسبوعيا ينقلون من مراكز الشرطة لهذا الغرض.
كما طالت الإجراءات مدارس الجاليات السودانية، حيث أغلقت 46 مدرسة، وتعرض قادة مجتمعات لاجئة لضغوط للإبلاغ عن زملائهم تحت التهديد. ووفق تقارير، جرى ترحيل لاجئين مسجلين لدى المفوضية، بعد مصادرة بطاقاتهم وإجبارهم على توقيع وثائق تفيد بـ“العودة الطوعية”.
الانتهاكات الحقوقية الموثقة
تعد هذه الممارسات خرقا لاتفاقية اللاجئين لعام 1951، والقانون المصري رقم 89 لسنة 1960، فضلا عن المادة 18 من الدستور المصري التي تضمن حق اللجوء.
ووثقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية حالات فصل قسري للأطفال عن ذويهم، من بينها حالة فتى يبلغ 17 عاما فصل عن عائلته في الجيزة.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، أصدر أربعة مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة مذكرة أكدوا فيها احتجاز 687 طالب لجوء بين أبريل وأغسطس 2025، إضافة إلى ترحيل 1560 شخصا آخرين. كما أشارت المذكرة إلى رفض السلطات السماح للمفوضية بالوصول إلى مراكز الاحتجاز.
ردود الفعل الحقوقية والدولية
أطلقت منظمات حقوقية، من بينها منصة اللاجئين في مصر والتحالف الإقليمي لمدافعات حقوق المرأة، حملات مناصرة واسعة، ووقعت 25 منظمة بيانا مشتركا يطالب بوقف الاعتقالات والترحيل. ووصفت منظمة العفو الدولية ما يجري بأنه “حملة اعتقالات جماعية وإعادات غير قانونية”.
وفي عام 2026، حذرت الأمم المتحدة من أن ما يحدث قد يشكل سياسة ممنهجة للإعادة القسرية، داعية القاهرة إلى الالتزام بتعهداتها الدولية ووقف الاستهداف القائم على أساس عنصري.
موقف الحكومة المصرية
تبرر السلطات المصرية هذه الحملات بأنها “تدقيق أمني للمخالفين”، مع إتاحة خيار دفع غرامات أو العودة، إلا أن هذه الإجراءات تطبق عمليا على لاجئين يحملون وثائق سارية.
ورغم تأكيد وزارة الخارجية التزام مصر باستضافة اللاجئين، تشير تقارير إلى أن الضغوط الاقتصادية والأمنية تدفع نحو تقليص أعدادهم.
وبحسب تقديرات غير رسمية، رحلت مصر نحو 20 ألف لاجئ سوداني خلال عام 2025، ضمن ما تصفه ببرامج “عودة طوعية”، تقول منظمات حقوقية إنها تتم في ظل الإكراه.
التداعيات على اللاجئين والمجتمع
تسببت عمليات الترحيل في تفكيك عائلات، وحرمان آلاف الأطفال من التعليم، إضافة إلى تعريض المرحلين لخطر العودة إلى مناطق نزاع نشط في السودان. ويعاني اللاجئون المتبقون من نقص الغذاء والسكن والرعاية الصحية.
وعلى المستوى المجتمعي، ورغم مساهمة اللاجئين في الاقتصاد المحلي، شهدت بعض المناطق توترات شعبية متزايدة.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه السياسات قد يضر بسمعة مصر الدولية، خاصة في ظل التعاون مع دول أوروبية في ملف مكافحة الهجرة.
وتطالب المنظمات الحقوقية الحكومة المصرية بوقف فوري لعمليات الترحيل، والسماح للمفوضية السامية بالوصول إلى مراكز الاحتجاز، وتسهيل إجراءات التسجيل والحماية.
ويرى مراقبون أن الضغط الدولي قد يدفع نحو فتح حوار، غير أن استمرار الحرب في السودان يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل الحلول الإنسانية أكثر إلحاحا.










