العراق أمام اختبار صعب بين الضغوط الدولية وحسابات الداخل
بغداد – 28 يناير 2026
دخل المشهد السياسي العراقي مرحلة شديدة التعقيد، عقب تصعيد أمريكي غير مسبوق ضد ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الوزراء، في وقت يشهد فيه العراق توازنات هشة بين ضغوط خارجية وانقسامات داخلية عميقة داخل القوى الشيعية نفسها، وعلى رأسها الإطار التنسيقي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجّه تحذيرًا مباشرًا وقاطعًا، مؤكدًا أن عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة تمثل «خطأً فادحًا»، وأن الولايات المتحدة ستوقف أي شكل من أشكال الدعم والمساعدة للعراق في حال انتخابه، وهو ما قد يجهض – وفق تعبيره – أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية للحكومة المقبلة، بسبب ما وصفه بسياسات المالكي وأيديولوجياته المتشددة.
تصعيد أمريكي غير مسبوق بعد ترشيح المالكي
جاء هذا التصعيد عقب إعلان الإطار التنسيقي، بوصفه الكتلة النيابية الأكبر، ترشيح نوري المالكي رسميًا لمنصب رئيس الوزراء في 24 يناير 2026، في خطوة أعادت إلى الواجهة الانقسامات داخل البيت الشيعي، وأثارت قلقًا إقليميًا ودوليًا واسعًا.
وبحسب مصادر سياسية، فإن الإعلان عن الترشيح لم يكن محل إجماع داخل الإطار نفسه، حيث برزت اعتراضات مكتومة من بعض الأطراف، مقابل إصرار واضح من القوى الأقرب إلى طهران على الدفع بالمالكي باعتباره الضامن الأهم لاستمرار نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية.
رسالة خطية من ترامب: فيتو أمريكي صريح
في 26 يناير 2026، نقل مبعوث الرئيس الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، رسالة خطية شديدة اللهجة من دونالد ترامب إلى قادة الإطار التنسيقي، حملت مضمونًا واضحًا لا لبس فيه: فيتو أمريكي صريح على ترشيح نوري المالكي، ورفض مطلق لإشراك شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة في المناصب السيادية العليا.
وتضمنت الرسالة تحذيرًا مباشرًا من أن الإصرار على ترشيح المالكي سيُعتبر «خيارًا كارثيًا»، مؤكدة أن ذلك سيؤدي إلى:
• قطع المساعدات الأمريكية.
• عزل العراق دوليًا.
• تجميد أي دعم اقتصادي أو سياسي مستقبلي.
كما شددت الرسالة على أن أي تعاون أمريكي لاحق سيكون مرهونًا بتشكيل حكومة تعمل على:
• كبح النفوذ الإيراني.
• إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت.
• إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الرسمية.
اتصالات مباشرة مع الحكومة وتحذيرات من “حكومة موالية لإيران”
بالتوازي مع الرسالة الخطية، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالًا هاتفيًا مع رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، أكد خلاله رفض واشنطن القاطع لتشكيل حكومة «موالية لإيران».
وأوضح روبيو أن أي حكومة من هذا النوع:
• لن تضع مصالح العراق أولًا.
• لن تنجح في الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
• ستُعرض البلاد لعزلة سياسية واقتصادية خانقة.
وفي السياق ذاته، صعّد المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، من لهجته، معتبرًا أن الحكومات التي «تنصبها إيران» في العراق لن تحقق تطلعات العراقيين لمستقبل أفضل، ولن تكون شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي.
رد فعل الإطار التنسيقي: اجتماع طارئ وارتباك داخلي
في أول رد فعل عملي، أفاد مصدر داخل الإطار التنسيقي بأن قيادته وجهت دعوة عاجلة لعقد اجتماع طارئ مساء 28 يناير 2026، في مكتب نوري المالكي ببغداد، لمناقشة تداعيات الموقف الأمريكي وخيارات التعامل مع الضغوط المتصاعدة.
ويعكس هذا الاجتماع حجم الارتباك داخل الإطار، في ظل تصاعد الخلافات بين:
• جناح يدفع باتجاه المواجهة واعتبار الترشيح «شأنًا سياديًا».
• جناح آخر يخشى تداعيات العقوبات والعزلة الاقتصادية.
البعد الإيراني: رهانات النفوذ في لحظة إقليمية حرجة
يرى مراقبون أن الإصرار الإيراني على دعم ترشيح المالكي يأتي في سياق إقليمي بالغ الحساسية، مع تزايد الحديث عن تحركات أمريكية وإسرائيلية محتملة ضد إيران.
وفي هذا الإطار، تسعى طهران إلى:
• تثبيت نفوذها السياسي داخل العراق.
• الحفاظ على شبكة الميليشيات المسلحة كأداة ضغط إقليمي.
• منع أي تغيير جذري في بنية السلطة قد يهدد مصالحها الاستراتيجية.
ويأتي هذا التصعيد الأمريكي في توقيت حساس، تزامنًا مع نقل نحو 7000 عنصر من تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، ما يزيد من الأعباء الأمنية على الحكومة المقبلة، ويجعل ملف الشراكة الأمنية مع واشنطن ورقة ضغط مركزية.
الأهداف الأمريكية في العراق: ما وراء الفيتو
لا يقتصر الموقف الأمريكي على رفض شخص المالكي فحسب، بل يرتبط برؤية أوسع تسعى واشنطن إلى فرضها في العراق، تشمل:
• الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي والتعاون الأمني.
• منع أي حكومة قد تعمل على إنهاء هذا الوجود بشكل كامل.
• تفكيك الميليشيات الموالية لإيران، وعلى رأسها بعض فصائل الحشد الشعبي.
• إعادة بناء الجيش العراقي وتطويره، مع فتح باب التسليح متعدد الأطراف.
كما تهدف الولايات المتحدة إلى إعادة التوازن السياسي بين السنة والشيعة والأكراد، في محاولة للحد من الهيمنة الإيرانية، وهو ما يفسر رفض قوى سنية رئيسية، بقيادة محمد الحلبوسي، لترشيح المالكي.
أدوات الضغط الأمريكية المحتملة
لإفشال عودة المالكي أو أي حكومة موالية لإيران، قد تلجأ واشنطن إلى حزمة من الإجراءات، من بينها:
• إفشال التوافق السياسي داخل البرلمان عبر دعم تحالفات بديلة.
• فرض عقوبات سياسية واقتصادية على شخصيات بارزة، بما فيها المالكي وقادة فصائل.
• تعطيل مشروعات تنموية واستثمارية وربط إعادة تفعيلها بتفكيك الميليشيات.
• توجيه ضربات عسكرية محدودة للفصائل المسلحة ضمن تحرك أوسع ضد أذرع إيران في المنطقة.
ثلاثة مسارات أمام العراق
في ضوء هذه التطورات، يقف العراق أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
المسار الأول: التهدئة
عبر تراجع الإطار التنسيقي عن ترشيح الشخصيات الجدلية، وفي مقدمتها المالكي، والبحث عن مرشح تسوية مقبول دوليًا لتجنب العزلة الاقتصادية.
المسار الثاني: المواجهة
بالإصرار على الترشيح واعتباره شأنًا سياديًا، ما قد يدفع واشنطن إلى تفعيل العقوبات المالية، وهو سيناريو ينذر بانهيار اقتصادي داخلي.
المسار الثالث: المناورة السياسية
من خلال تقديم ضمانات مكتوبة للولايات المتحدة بتقييد نفوذ الفصائل مقابل تمرير الحكومة، وهو خيار محفوف بالمخاطر في ظل تشدد إدارة ترامب وعدم استعدادها لتقديم تنازلات دون تغييرات ملموسة.
خلاصة
تكشف أزمة ترشيح نوري المالكي أن معركة تشكيل الحكومة العراقية لم تعد داخلية فقط، بل باتت ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح، تتداخل فيها حسابات النفوذ الإيراني مع خطوط واشنطن الحمراء، بينما يبقى العراق عالقًا بين خيار السيادة السياسية وكلفة العزلة الاقتصادية.







