شهدت العلاقات بين الصين والفلبين في الأسابيع الأخيرة تصعيدًا جديدًا على خلفية النزاع في بحر الصين الجنوبي، حيث امتد التوتر من الاحتكاكات البحرية إلى حرب تصريحات علنية بين الدبلوماسيين والمسؤولين، وسط تحذيرات من انزلاق الخلاف إلى مواجهة أوسع قد تستدرج الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة.
تصاعد دبلوماسي وحرب تصريحات علنية
وزارة الخارجية الفلبينية أعلنت أنها قدّمت ما وصفته بـ”تمثيلات حازمة” للسفارة الصينية في مانيلا، احتجاجًا على ما اعتبرته “تصعيدًا في الحرب الكلامية” التي يشنها دبلوماسيون صينيون ضد متحدثين ومسؤولين فلبينيين بشأن بحر الصين الجنوبي.
مانيلا حذرت من أن تبادل الاتهامات عبر الإعلام ومنصات التواصل “يُضيّق المساحة الدبلوماسية” المتاحة لإدارة التوتر في البحر، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها لمسؤولي خفر السواحل والنواب الذين يدافعون علنًا عن ما تسميه “بحر الفلبين الغربي”.
في المقابل، استدعت بكين السفير الفلبيني لديها، وهاجمت تصريحات مسؤولين فلبينيين – بينهم متحدث خفر السواحل ونواب بارزون – متهمة إياهم بـ”تشويه صورة الصين” واستغلال الملف لمكاسب سياسية داخلية قبل انتخابات 2028 الرئاسية في الفلبين.
الاحتكاكات البحرية: من المدافع المائية إلى عمليات الإنقاذ
التوتر الدبلوماسي يتوازى مع تصاعد الاحتكاكات الميدانية، حيث كثّفت الصين استخدام سفن خفر السواحل والميليشيات البحرية لعرقلة سفن فلبينية في مناطق متنازع عليها، مستخدمة خراطيم المياه والاقتراب الخطِر، وهي أساليب وثّقتها مانيلا بفيديوهات وصور نشرتها للرأي العام.
في أكتوبر 2025 دانت الولايات المتحدة حادثًا استخدمت فيه سفينة لخفر السواحل الصيني مدفع مياه واحتكاكًا مباشرًا ضد سفينة تابعة لمكتب المصايد الفلبيني قرب جزيرة “ثيتو”، معتبرة السلوك الصيني “خطيرًا” ويهدد الاستقرار الإقليمي، ومجددة التزامها بالدفاع عن الفلبين بموجب معاهدة 1951.
قبل أيام، أعلن الجانبان الصيني والفلبيني إطلاق عمليات إنقاذ مشتركة بعد بلاغ عن غرق سفينة شحن قرب “سكاربورو شول”، أحد أكثر المواقع حساسية في البحر، في مشهد عكس تناقضًا لافتًا بين التعاون الإنساني اللحظي واستمرار التنافس الحاد على السيادة البحرية.
جزر متنازع عليها واتفاقات هشةجزء كبير من التوتر يتركز حول منطقة “سكند توماس شول” حيث ترابط سفينة حربية فلبينية قديمة (BRP Sierra Madre) عُمِدت عمدًا على الشعاب منذ 1999 لفرض واقع ميداني يدعم مطالب مانيلا بالسيادة، فيما تعتبرها بكين “سفينة راسية بشكل غير قانوني”.
خلال 2024 و2025 توصّل الطرفان إلى تفاهمات مؤقتة لإدارة رحلات الإمداد إلى السفينة، شملت إخطارًا مسبقًا من الفلبين للصين وعدم نقل مواد بناء، مقابل سماح صيني باستمرار تزويد الجنود بالمؤن، لكن هذه الترتيبات ظلت هشة وتعرضت للاهتزاز مع كل حادث جديد في مناطق أخرى من البحر.
الصين تؤكد أن خفر سواحلها “يتابع ويدير” كل رحلة إمداد فلبينية في المنطقة “وفقًا للقانون” لحماية ما تعتبره حقوقًا سيادية، بينما تصر مانيلا على أن وجودها العسكري والإمدادي هناك “حق مشروع” داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة التي أقرها حكم التحكيم الدولي في لاهاي عام 2016.
البعد الدولي: واشنطن وحلفاء آخرون في الصورة
الولايات المتحدة تعتبر الفلبين حليفًا معاهِدًا، وترى أن أي هجوم مسلح على قواتها أو سفنها في بحر الصين الجنوبي يمكن أن يفعل التزامات الدفاع المشترك، ما يرفع سقف المخاطر في أي مواجهة بحرية حادة بين مانيلا وبكين.
تقارير بحثية تشير إلى أن واشنطن زادت خلال العامين الماضيين من مواقعها العسكرية في الفلبين، ووسعت المناورات المشتركة، ونشرت منظومات صاروخية متقدمة في لوزون شمالًا، في تحرك يربطه محللون ببناء “شبكة ردع” مزدوجة في وجه الصين في كل من تايوان وبحر الصين الجنوبي.
إلى جانب الولايات المتحدة، تحاول دول مثل اليابان وأستراليا تعميق الشراكة الدفاعية مع الفلبين، عبر اتفاقيات وصول متبادل وتدريبات بحرية مشتركة، في مسعى جماعي لخلق توازن في مواجهة التفوق العددي والمادي الصيني في المنطقة البحرية المتنازع عليها.
من يتحمل مسؤولية الانزلاق؟
القراءة الصينية الرسمية تحمّل الفلبين وحلفاءها مسؤولية التصعيد، وتتهم مانيلا بـ”تسييس” ملف البحر و”تدويله” عبر استدعاء شركاء خارجيين، بدل الالتزام بما تصفه بكين بـ”التفاهمات الثنائية” و”إدارة الخلاف بهدوء بعيدًا عن الأضواء”.
في المقابل، يرى منتقدون داخل الفلبين وخارجها أن الصين تستخدم قوتها البحرية والاقتصادية لفرض أمر واقع في البحر، وأن ما تسميه “إدارة قانونية” للمياه المتنازع عليها هو عمليًا تمدد تدريجي يهدد ليس فقط السيادة الفلبينية، بل حرية الملاحة العالمية وخطوط التجارة والطاقة.
وبين هذا وذاك، يحذر خبراء من أن استمرار الاحتكاكات بمستوى “منطقة رمادية” (مدافع مياه، إعاقة، احتكاك دون استخدام نار حية) يحمل خطر الانفلات في لحظة واحدة، بحادث خطأ أو سوء تقدير، بما قد يجرّ الأطراف إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، خاصة مع دخول الولايات المتحدة كضامن أمني معلَن للفلبين.











