في الشهور الأخيرة تصاعد الجدل حول ما يراه كثيرون «مبالغة» في تسعير وتقنين المساكن والتعاونيات والوحدات المملوكة للدولة في مصر، خاصة مع قرارات جديدة تخص تقنين أوضاع الشقق والأسطح، إلى جانب تشديد قواعد الانتفاع والبيع والإيجار في مشروعات الإسكان الاجتماعي.
هذا الجدل فتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل تتحرك الدولة نحو تنظيم السوق وحماية أصولها، أم أن المواطن محدود ومتوسط الدخل أصبح يتحمل وحده فاتورة الإصلاح العقاري؟
قرارات التقنين الجديدة وموجة الغضبأحدث موجات الجدل ارتبطت بقرارات مد مهلة تراخيص وتقنين شقق الأسطح في عدد من المدن الجديدة، مع تحديد أسعار للمتر تصل في بعض المناطق المتميزة إلى حوالى 2500 جنيه، بينما تتراوح في مناطق أخرى بين 200 و700 جنيه، وفي القرى من 50 جنيهًا للمتر.
هذه الأرقام اعتبرها منتقدون انعكاسًا لرؤية تعتبر كل مساحة في المدن الجديدة «رصيدًا استثماريًا» أكثر منها فرصة لسكن ميسر.
القرار استهدف – رسميًا – توحيد الشكل العمراني وتقنين الأوضاع المخالفة وتحويل الوحدات غير الشرعية إلى أصول مرخصة يمكن إدخالها في منظومة التمويل العقاري والضرائب.
لكن في المقابل، يرى سكان في مدن مثل 6 أكتوبر والقاهرة الجديدة أن تكلفة التقنين ورسوم التصالح والرسوم الهندسية أصبحت أعلى بكثير من قدرة الأسر المتوسطة، ما يضعهم أمام خيارين: إما الاستدانة لإضفاء «الشرعية» على مسكن قائم، أو مواجهة خطر الإزالة أو عدم الاعتراف القانوني بالوحدة.
الإسكان الاجتماعي بين الدعم والتشددالجدل لا يقتصر على الأسطح؛ فشقق الإسكان الاجتماعي نفسها تخضع لقواعد صارمة تحظر بيع أو تأجير الوحدة لمدة تتراوح غالبًا بين 5 و7 سنوات على الأقل من تاريخ الاستلام، مع اشتراط السكن الفعلي للأسرة داخل الشقة خلال هذه المدة.
أي محاولة للتصرف قبل انتهاء الحظر – بالبيع أو الإيجار أو تحرير عقود «عرفي» – تعرض صاحب الوحدة لخطر سحبها، بالإضافة إلى عقوبات قد تشمل الحبس وغرامات مالية.
الحكومة تبرر هذه القيود بأن الوحدة مدعومة وأن ملكيتها خلال فترة السداد تظل «مشتركة» بين الدولة والمستفيد، وأن الهدف هو منع تحول الدعم إلى تجارة أو سمسرة لصالح غير المستحقين.
غير أن المنتقدين يرون أن التضييق الشديد على البيع أو الإيجار، مع ارتفاع تكاليف المعيشة، يجعل بعض الأسر «أسيرة» لوحدة لا تستطيع استغلالها أو التصرف فيها لتعديل أوضاعها الاقتصادية، خاصة في ظل قيود العمل أو الانتقال الجغرافي.
تسعير الوحدات: بين «وهم الدولار» وحق المواطن
بالموازاة مع ذلك، يشهد السوق العقاري نقاشًا حادًا حول ما وُصف بـ«التسعير الوهمي»، حيث اتُهمت بعض الشركات بتسعير المتر كأن الدولار وصل إلى 100 جنيه، رغم تراجعه لاحقًا إلى مستويات أقل بكثير، دون أن تُراجع هذه الشركات أسعارها.
هذا المناخ، وفق خبراء، يعمّق الشعور بأن العقار أصبح ساحة مضاربة، وأن المواطن يدفع ثمن افتراضات غير واقعية في التسعير، سواء في مشروعات خاصة أو في وحدات تُطرح على أراضٍ أو أصول مملوكة للدولة.
في محاولة للسيطرة على الفوضى، جرى التنسيق بين وزارة المالية وغرفة التطوير العقاري لتشكيل لجنة مشتركة تضع ضوابط واضحة لتسعير الوحدات السكنية، بهدف توحيد المعايير أمام الجهات الضريبية، وتقليل التقديرات المتباينة، وتحقيق نوع من العدالة في تقييم الأسعار.
هذه الخطوة تُقدَّم رسميًا كآلية توازن بين حق المطور في هامش ربح واضح، وحق المشتري في سعر يعكس القيمة الحقيقية للوحدة، وحق الدولة في تحصيل ضرائب شفافة.
جدول يوضح ملامح الجدل حول التسعير والتقنين
بين الحق في السكن والبحث عن مواردفي الخلفية، تؤكد الدولة أنها تنفق مئات المليارات على مشروعات «سكن لكل المصريين» وتطوير المدن الجديدة، وأن تسعير وتقنين الأصول جزء من سياسة أوسع لزيادة الموارد العامة وتحسين إدارة أملاك الدولة.
لكنها تواجه في الوقت نفسه تساؤلات حادة من مواطنين يشعرون أن الأسعار والرسوم تتجاوز قدرتهم الفعلية، وأن حقهم الدستوري في السكن الملائم أصبح مشروطًا بسلسلة من الأقساط والغرامات و«التسويات» القانونية.
بين خطاب رسمي يتحدث عن تحسين كفاءة إدارة الأصول وحماية الدعم، وخطاب شعبي يرى في السياسات الحالية «تغوّلًا عقاريًا» على حساب محدودي ومتوسطي الدخل، يبدو ملف تسعير وتقنين المساكن والتعاونيات المملوكة للدولة مرشحًا لمزيد من الجدل، وربما لتعديلات جديدة إذا ما تزايد الضغط المجتمعي والإعلامي في الفترة المقبلة.











