أسرار الرؤوس النووية بين بكين وواشنطن: تجسس
حقيقي أم قصة مفبركة لتبرير أكبر حملة تطهير عسكري؟
إطاحة القيادة الصينية بأعلى جنرال في الجيش بتهمة تسريب أسرار نووية إلى الولايات المتحدة فجّرت واحدة من أخطر الأزمات داخل المؤسسة العسكرية في عهد شي جين بينغ، وفتحت بابًا واسعًا للتساؤلات حول تماسك القيادة، ومستقبل برنامج التسلح النووي، وحدود الصراع على النفوذ داخل الصف الأول للجيش.
من هو القائد المعزول وما الاتهامات الموجهة له؟
الجنرال تشانغ يوشيا، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية والرجل العسكري الثاني بعد شي جين بينغ، أُقيل من منصبه وأُحيل للتحقيق بتهم “انتهاك خطير للانضباط والقانون”، في صياغة تستخدمها بكين عادة لقضايا الفساد والولاء السياسي والتجسس.
بحسب تسريبات نقلتها وول ستريت جورنال في إحاطة مغلقة، أُبلغت قيادات بالجيش بأن تشانغ متهم بتسريب معلومات شديدة الحساسية عن برنامج الأسلحة النووية الصيني إلى واشنطن، إلى جانب تلقي رشى مقابل ترقيات لكبار الضباط، وهي اتهامات لم تؤكدها بكين رسميًا حتى الآن.
أهمية القضية أن تشانغ كان يُنظر إليه كـ”رفيق سلاح قديم” لشي، تربطه به علاقة تعود إلى فترة خدمة والديهما في الجبهة ذاتها، ما جعل سقوطه بمثابة صدمة داخلية ورسالة بأن حملة شي لم تعد تستثني حتى أقرب حلفائه.
زلزال داخل القيادة العسكرية وحملة تطهير واسعة
عزل تشانغ يأتي في سياق حملة أوسع، شملت خلال العامين الماضيين الإطاحة بقادة “القوة الصاروخية” المسؤولة عن الترسانة النووية والصاروخية، ووزيرَي دفاع سابقين وعددًا كبيرًا من قادة الأفرع، في أكبر موجة تطهير للجيش الصيني منذ الثورة الثقافية.
تقارير غربية وآسيوية تشير إلى أن الاشتباه في تسريبات مرتبطة بالقوة الصاروخية – ظهرت في تقارير أمريكية مفصلة عن قواعد الصواريخ ومواقعها – أدى إلى تشديد غير مسبوق على قضايا التجسس، ورفع شعار “تسريب الأسرار يقود إلى السجن، وبيع الأسرار يقود إلى الإعدام” في منشآت عسكرية حساسة.
اليوم لم يبقَ في اللجنة العسكرية المركزية سوى عضوين فعليًا إلى جانب شي، بعد أن أطاحت الحملة بكل من عُيّن تقريبًا في دورة 2022، ما يثير أسئلة حول عمق أزمة الثقة بين القيادة السياسية والعسكرية ودرجة تركّز القرار في يد الرئيس وحده.
تداعيات على الثقة والانضباط داخل الجيش
التهمة الجوهرية المنسوبة لتشانغ – تسريب “جواهر التاج” النووية – تُعد، إذا صحت، أخطر اختراق أمني تتعرض له الصين منذ عقود، وتُصوَّر داخليًا كـ”خيانة كبرى” لتبرير القبضة الحديدية على الضباط وإعادة هيكلة منظومة السرّية والولاء.
في المقابل، يشكك عدد من الخبراء في دقة رواية “الجاسوس النووي”، ويرجحون أن الصراع الحقيقي يدور حول إخفاقات في برنامج التحديث العسكري، وتنافس أجنحة داخل القيادة، ورغبة شي في القضاء على أي مركز قوة مستقل داخل الجيش، حتى لو لزم الأمر شيطنة بعض القادة باتهامات تجسس.
هذه الأجواء قد تؤدي، بحسب محللين، إلى حالة “شلل حذر” داخل صفوف الضباط الكبار، يخشى معها المسؤولون اتخاذ قرارات جريئة أو نقل معلومات حساسة خوفًا من اتهامات محتملة، ما ينعكس على جاهزية الجيش في ملفات شديدة الحساسية كتايوان وبحر الصين الجنوبي.
رسائل للخارج: واشنطن وتايوان وموسكو تراقب
على المستوى الدولي، يُنظر إلى سقوط الجنرال الأقرب لشي على خلفية اتهامات بالتجسس لصالح واشنطن كدليل على هشاشة منظومة السرّية داخل البرنامج النووي، لكنه يُستخدم أيضًا من جانب بكين لتبرير مزيد من التشدّد في علاقاتها مع الولايات المتحدة تحت عنوان “الخطر الاستخباراتي الخارجي”.
في ملف تايوان، يجادل بعض المراقبين بأن تفكك حلقات القيادة التقليدية في الجيش وتغيير وجوهها المتكرر قد يعقّد أي قرار بالغزو أو الحصار، إما لأنه يضعف ثقة شي في قدرات جيشه، أو لأنه يخلق فراغًا قياديًا مؤقتًا في أهم المناصب العملياتية.
أما موسكو، الشريك العسكري الأهم لبكين في السنوات الأخيرة، فستراقب عن كثب هذه التطورات، خاصة أن تشانغ كان قناة اتصال رئيسية مع الروس في ملفات التسليح والتدريبات المشتركة، ما قد يتطلب إعادة ترتيب قنوات التنسيق أو يفتح الباب أمام وجوه جديدة أقل خبرة.
مكافحة فساد أم تصفية حسابات؟
الرواية الرسمية للصين تؤطر ما يجري ضمن “حملة صارمة لمكافحة الفساد وحماية الأمن القومي”، لكن الانتقادات الخارحية ترى أن شي يستخدم تهم الفساد والتجسس لتصفية خصوم محتملين وفرض خضوع كامل داخل الجيش، كما فعل سابقًا في الحزب وأجهزة الأمن.
خبراء في الشأن الصيني يشيرون إلى أن حجم وعدد القيادات التي أُطيح بها، من القوة الصاروخية إلى قادة الأسلحة المختلفة، يطرح سؤالًا حول كفاءة منظومة التعيين التي يشرف عليها شي نفسه؛ فإذا كان كل هؤلاء “فاسدين أو خونة”، فماذا يقول ذلك عن طريقة اختيارهم أصلًا؟
بين رواية تجسس غير مؤكدة، وحملة تطهير عميقة، يخرج الجيش الصيني من هذه العاصفة أقل وضوحًا وأكثر غموضًا: ظاهريًا أكثر ولاءً للرئيس، وداخليًا أكثر توترًا وقلقًا، في مزيج قد يحمل تداعيات بعيدة المدى على حسابات القوة في آسيا والعالم.







