التقرير العبري الذي نشرته منصة “ناتسيف نت” الإسرائيلية يسلط الضوء على تحوّل غاز “تل أبيب” إلى شريان حيوي لمعادلة الطاقة في مصر، في لحظة تعاني فيها القاهرة من تراجع واضح في إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي.
ما هي منصة “ناتسيف نت” وما طبيعة التقرير؟
“ناتسيف نت” (Nziv.net) منصة إخبارية وتحليلية إسرائيلية تعتمد على ما تصفه بـ”المعلومات الاستخباراتية من المصادر المفتوحة” حول الشرق الأوسط، الطاقة، والأمن.
خلال الأشهر الأخيرة توسعت تغطية المنصة للملف المصري، من تسليح الصين لمصر وإيران بمنظومات دفاع جوي، إلى قضايا الغاز والطاقة والأقمار الصناعية، ما يعكس اهتمامًا إسرائيليًا متزايدًا بقدرات القاهرة العسكرية والطاقوية.
في تقريرها الأخير حول الغاز، تستند “ناتسيف نت” إلى بيانات رسمية من قطاع البترول المصري لشهر نوفمبر 2025، لتقديم قراءة سياسية واقتصادية لموقع الغاز الإسرائيلي في معادلة الطاقة المصرية.
تراجع إنتاج الغاز المصري وتزايد الاعتماد على الغاز الإسرائيليتشير المنصة إلى أن بيانات نوفمبر 2025 أظهرت تراجعًا سنويًا في إنتاج الغاز الطبيعي في مصر، بما عمّق الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي، خاصة في أوقات الذروة الصيفية والشتوية.
التقرير يربط بين هذا التراجع وبين اضطرار القاهرة إلى زيادة وارداتها من الغاز الإسرائيلي لتعويض النقص، في وقت تعاني فيه الموازنة المصرية من ضغوط حادة وحاجة ملحّة للدولار.
أرقام صفقات الغاز السابقة توضح حجم التشابك؛ فالاتفاقيات التي وُقّعت بين شركات إسرائيلية مثل “نيو مِد” (الشريكة في حقل ليفياثان) والجانب المصري تصل قيمتها إلى نحو 35 مليار دولار حتى 2040، مع كميات تقارب 130 مليار متر مكعب، ما يجعل مصر الوجهة الأكبر للغاز الإسرائيلي في المنطقة.
كيف يخدم غاز “تل أبيب” القاهرة؟
يوضح التقرير أن الغاز الإسرائيلي أصبح أشبه بـ”رافعة مزدوجة” لمصر: جزء من الواردات يُوجَّه لتغطية احتياجات المنازل والمصانع ومحطات الكهرباء، وجزء آخر يُعاد تسييله في محطتي إدكو ودمياط لإعادة تصديره إلى أوروبا بأسعار أعلى، بهدف توفير عملة صعبة.
هذه المعادلة تتيح لمصر مخرجًا نسبيًا من أزمة نقص الإنتاج المحلي، من خلال استخدام الغاز الإسرائيلي كوقود داخلي وكورقة لتثبيت موقع القاهرة كمركز إقليمي لتسييل وتجارة الغاز في شرق المتوسط.
في المقابل، يستفيد الجانب الإسرائيلي من أسعار غاز منخفضة نسبيًا للمستهلكين المحليين، مع هامش كبير لتصدير الفائض إلى دول الجوار وأوروبا، ما يمنح تل أبيب مصدر دخل استراتيجيًا ورافعة نفوذ في الإقليم.
البعد السياسي: اعتماد متبادل أم ورقة ضغط؟
الخطاب العبري لا يقدّم القصة كملف اقتصادي فحسب، بل كأداة نفوذ متبادلة؛ فمصر تمثل “المشتري الإجباري” للغاز الإسرائيلي بحكم البنية التحتية القائمة وخط الأنابيب المباشر، بينما ترى تحليلات عربية أن إسرائيل هي الأخرى “مُقيَّدة” بقدرة مصر على الاستيعاب والتسييل والتصدير.
تقارير عربية استندت إلى المعطيات ذاتها رأت أن أي توتر سياسي قد يحوّل الغاز إلى ورقة ضغط من الطرفين، فالقاهرة تمتلك بدائل جزئية عبر واردات الغاز المسال من الأسواق العالمية أو ربط حقول قبرصية بحقل “ظُهر”، في حين تخشى تل أبيب من تعثّر تسويق إنتاج حقولها الكبرى إذا تعطل المسار المصري.
وسط هذا التشابك، يطرح التقرير العبري سؤالًا ضمنيًا: هل تستخدم مصر “إسرائيل لإنقاذ سوريا” عبر تمرير الغاز إلى دمشق من بوابة القاهرة وعمان، أم أن تل أبيب هي من تستخدم حاجة مصر وسوريا للطاقة لتعزيز موقعها السياسي والاقتصادي؟
المخاطر الاستراتيجية على القاهرة
قراءة معارضة للواقع القائم ترى أن تضخيم دور الغاز الإسرائيلي في المنظومة المصرية يحوّل الطاقة إلى نقطة هشاشة في الأمن القومي، إذ يربط أمن الكهرباء والصناعة بمصدر واحد في دولة تحتل أراضي عربية وتخوض حربًا مفتوحة في الإقليم.
الاعتماد المتزايد على هذا الغاز، مع استمرار تراجع الإنتاج المحلي، قد يقيّد هامش مناورة القاهرة في ملفات سياسية وعسكرية حساسة، من غزة وسيناء إلى شرق المتوسط، خشية أن يتحوّل الأنبوب إلى أداة ابتزاز أو تهديد غير مباشر.
في الوقت نفسه، يلفت خبراء الطاقة إلى أن استمرار مصر في توسيع قدرات الإسالة واستقبال الغاز من أكثر من مصدر (إسرائيل، قبرص، وربما دول أخرى مستقبلًا) قد يقلّل نسبيًا من حدة الارتهان لمورد واحد، لكنه لا يلغي أسئلة الشارع المصري حول الثمن السياسي الحقيقي لهذه الصفقات.











