تشهد العلاقات بين آسيا والشرق الأوسط موجة متسارعة من الاتفاقيات الاقتصادية ومسارات الربط الجديدة، تقودها مشاريع كبرى مثل الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)، وتعاظم الشراكات بين دول الخليج والصين والهند وآسيان، بما يعيد رسم خريطة النفوذ والتجارة العالمية لصالح محور آسيوي–شرق أوسطي صاعد.
ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا: العمود الفقري الجديدأُعلن عن الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC) في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي في سبتمبر 2023، بتوقيع مذكرة تفاهم بين الهند والسعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، بهدف إنشاء ممر تجاري ولوجستي يربط الهند بالخليج ثم أوروبا عبر السكك الحديدية والموانئ.
منذ 2024 بدأت الهند والإمارات في توقيع اتفاقيات إطار لتفعيل الممر، ومع مطلع 2025 انطلقت أعمال البنية التحتية من توسعة موانئ ومناطق لوجستية وإنشاء خطوط حديد وشبكات ربط رقمية عبر دول الممر، في مسعى لتحويله إلى بديل أو مكمل لمسارات التجارة التقليدية عبر قناة السويس والممرات البحرية الآسيوية.
بحسب التقديرات الواردة في وثائق الممر، تتوقع الدول الموقِّعة أن يسهم IMEC في خفض تكاليف النقل، وتسريع حركة البضائع، وتعزيز تكامل سلاسل الإمداد، وخلق آلاف الوظائف الجديدة في الدول العربية المشاركة، مع أبعاد “جيوسياسية” واضحة لموازنة مبادرة الحزام والطريق الصينية.
الخليج وآسيا: صفقات عملاقة وشراكات متشعبة
دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، صارت تنظر إلى آسيا بوصفها الشريك الاقتصادي الأول، مع توقعات بأن تصبح “آسيا الصاعدة” الشريك التجاري الأكبر لمجلس التعاون بحلول 2026، مدفوعة بنمو التبادل في الطاقة، والاستثمار، والتكنولوجيا.
تقرير اقتصادي حديث أشار إلى أن تجارة السلع بين الخليج وبلدان آسيان بلغت 122 مليار دولار في 2023، في حين تجاوزت التجارة بين الصين ودول الخليج 298 مليار دولار في العام نفسه، ووصلت تجارة الصين مع آسيان إلى نحو 234 مليار دولار في الربع الأول من 2025 وحده، بما يعكس ترابطًا متزايدًا بين الأقاليم الثلاثة.
ضمن هذا التوجه، وقّع الصندوق السيادي السعودي (PIF) في أغسطس 2024 ست اتفاقيات مع مؤسسات مالية صينية بقيمة تصل إلى 50 مليار دولار لتعزيز التدفقات الاستثمارية، كما دخلت “رياض Air” في شراكة مع “تشاينا إيسترن” لتوسيع الربط الجوي والتعاون الرقمي، في حين تقود الإمارات موجة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) مع الهند وقوى آسيوية أخرى.
تداعيات اقتصادية: فرص وتحوّلات في موازين القوة
هذه الشبكة من الاتفاقيات تعني عمليًا أن الشرق الأوسط يتحول من مجرد “ممر نفط” إلى محور يرتبط فيه رأس المال الخليجي بالصناعة والتكنولوجيا الآسيوية، مع أسواق استهلاكية ضخمة في الهند والصين وآسيان، ما يعزز مكانة المنطقة كعقدة مركزية في سلاسل القيمة العالمية.
ممر IMEC وغيره من مسارات الربط الجديدة قد يعيد توزيع حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، عبر نقل جزء من الشحنات من المسارات البحرية الطويلة إلى مسارات مختلطة (بحر–بر)، وهو ما يحمل فرصًا لدول الممر العربية للاستفادة من خدمات لوجستية عالية القيمة، لكنه يثير في المقابل أسئلة حول تأثيره على ممرات تقليدية مثل قناة السويس.
من ناحية أخرى، يمنح تعمق الشراكات الآسيوية–الخليجية دول الشرق الأوسط هامشًا أوسع للمناورة بين واشنطن وبكين، عبر تنويع مصادر الاستثمار والسلاح والتكنولوجيا، لكن هذا التنويع نفسه قد يجر المنطقة إلى تنافس أشد بين القوى الكبرى على النفوذ داخلها.
أبعاد استراتيجية وأمنية لا يمكن تجاهلها
قمة الخليج–آسيان–الصين الأخيرة قدمت نموذجًا جديدًا للتعاون الثلاثي، شمل إلى جانب الاقتصاد ملفات حساسة مثل أمن الممرات البحرية، من مضيق ملقا إلى هرمز وباب المندب، وهي شراكة تتيح للصين حضورًا بحريًا متزايدًا في البحر الأحمر والمحيط الهندي تحت غطاء “حماية الإمدادات” التي تعتمد عليها آسيا.
هذا التداخل بين التجارة والأمن يعني أن أي تهديد في نقاط الاختناق البحرية – سواء بسبب صراع إقليمي أو توترات دولية – سيكون له تأثير مضاعف على آسيا والشرق الأوسط معًا، وأن التنسيق الأمني البحري سيصبح جزءًا ثابتًا من معادلة الاتفاقيات الاقتصادية الجديدة.
في المقابل، يرى محللون أن رهان بعض الدول العربية على ممرات بديلة وربط عميق مع آسيا قد يُقرأ في الغرب كابتعاد تدريجي عن المحور الأطلسي التقليدي، ما قد ينعكس في شكل ضغوط سياسية أو تفاوضية في ملفات أخرى كحقوق الإنسان وصفقات السلاح.
من المستفيد الحقيقي؟
وهل تتكرر أخطاء الماضي؟
القراءة المتفائلة ترى أن هذه الاتفاقيات تفتح أمام الشرق الأوسط نافذة تاريخية للتحرر من الاعتماد الأحادي على النفط والأسواق الغربية، لكن قراءة معارضة تحذر من احتمال تكرار نموذج “الاعتماد الأحادي” مع شركاء جدد، عبر ارتهان اقتصادات المنطقة بعقود طويلة الأجل مع آسيا دون تطوير قاعدة إنتاجية محلية حقيقية.
كما يلفت منتقدون إلى أن مشروعات عملاقة مثل IMEC تحتاج إلى سنوات من الإنفاق الضخم على البنية التحتية، وقد تُستخدم سياسيًا في الترويج لانتصارات دبلوماسية قبل أن تتضح عوائدها الفعلية على التشغيل والتنمية، في وقت تعاني فيه مجتمعات عربية من بطالة مرتفعة وضغوط معيشية حادة.
وبين من يراهن على “محور آسيوي–شرق أوسطي” جديد قادر على كسر أحادية النفوذ الغربي، ومن يخشى أن تتحول المنطقة إلى ساحة تنافس إضافية بين الصين والهند والغرب، تبدو الاتفاقيات الراهنة خطوة كبرى قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية، لكنها تحمل أيضًا مخاطر واضحة إذا لم تُقرن بإصلاحات داخلية تعيد توزيع مكاسبها على المجتمعات لا على النخب فقط.









