توجه مصر الدعوة لشركات أمريكية لإدارة وتشغيل موانئ بحرية رئيسية، في خطوة تعكس طموحًا رسميًا لتحويل البلاد إلى مركز لوجستي عالمي، لكنها تثير في المقابل أسئلة معارضة حول السيادة الاقتصادية وحدود الشراكة مع رأس المال الأجنبي.
خلفية الدعوة الأمريكية: ماذا جرى؟خلال لقاء رفيع المستوى في القاهرة ضم مسؤولين حكوميين وممثلين عن غرفة التجارة الأمريكية، دعا الفريق كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، الشركات الأمريكية إلى ضخ استثمارات مباشرة في قطاع النقل البحري المصري.
الوزير شدد على أن قطاع النقل البحري يضم 19 ميناءً تجاريًا تمثل، من وجهة نظر الحكومة، فرصة استثمارية “ضخمة” أمام الشركات الأمريكية، ليس فقط في تطوير الأرصفة والبنية التحتية، بل خصوصًا في إدارة وتشغيل المحطات البحرية الدولية.
اللقاء جاء استكمالًا لتحركات سابقة شهدتها موانئ الإسكندرية والسويس وشرق بورسعيد، حيث سبق أن دعا الوزير شركات أمريكية وعالمية للمشاركة في تشغيل المحطات، وتطوير الأسطول التجاري، وإنشاء مناطق لوجستية وموانئ جافة مرتبطة بالموانئ البحرية.
أي موانئ مستهدفة وما طبيعة الشراكة؟
المسؤولون المصريون حددوا بالاسم موانئ “برنيس”، و”السخنة”، و”سفاجا”، و”الإسكندرية”، و”جرجوب” كمواقع رئيسية مطروحة للتعاون مع الشركات الأمريكية في إدارة وتشغيل، ثم إعادة تسليم عدد من المحطات البحرية الدولية، في إطار ما يشبه عقود امتياز طويلة الأجل.
وزارة النقل أوضحت أن استراتيجية الدولة تقوم على الاعتماد على شركات وطنية في أعمال البنية التحتية والتشييد، مع الشراكة مع شركات دولية متخصصة – من بينها الشركات الأمريكية – في التشغيل والإدارة، مع التأكيد على بقاء ملكية الموانئ نفسها في يد الدولة المصرية.
الطرح لا يقتصر على الأرصفة البحرية؛ بل يتضمن أيضًا ربط هذه الموانئ بشبكة القطار الكهربائي السريع، وإنشاء مناطق صناعية عامة أو متخصصة بالقرب منها، ما يعني أن الشركات الأمريكية قد تدخل من بوابة إدارة وتشغيل الموانئ إلى مجالات أوسع في اللوجستيات والصناعة المرتبطة بالتجارة الخارجية.
المبررات الرسمية: جذب استثمار وخبرة أم إعادة تموضع إستراتيجي؟
الحكومة تقدم الدعوة باعتبارها جزءًا من خطة استثمارية ضخمة لتطوير الموانئ بتكلفة تصل إلى نحو 300 مليار جنيه، بهدف تعظيم حركة التجارة، وزيادة القدرة التنافسية، ورفع كفاءة الخدمات، وتحويل مصر إلى مركز رئيسي لسلاسل الإمداد العالمية.
الفريق كامل الوزير أشار إلى أن مصر ترتبط بالفعل بتعاون مع شركات أمريكية في مجالات أخرى للنقل مثل جرارات السكة الحديدية مع “جنرال إليكتريك” و”بروجرِس ريل”، ومشاركة “هني ويل” في مشروع القطار الكهربائي السريع، إضافة إلى اعتماد استشاري أمريكي (هيل إنترناشونال) في مشروعات المونوريل؛ في محاولة لإظهار الدعوة الحالية كامتداد طبيعي لشراكة قائمة.
من الجانب الأمريكي، أكدت السفارة في القاهرة وغرفة التجارة الأمريكية أن الفرص المطروحة في الموانئ المصرية تتيح للشركات الأمريكية تعزيز حضورها في شرق المتوسط، وتأمين مسارات تجارية حيوية، وتوسيع أعمالها في البنية التحتية واللوجستيات.
قراءة معارضة: هل تتحول الموانئ إلى بوابة نفوذ؟
القراءة المعارضة تعتبر أن نقل إدارة وتشغيل موانئ استراتيجية على البحرين الأحمر والمتوسط لشركات أمريكية وعالمية يفتح الباب أمام نفوذ اقتصادي وأمني ممتد في واحد من أكثر الممرات الملاحية حساسية في العالم، من قناة السويس حتى مداخل الخليج.
رغم تأكيد الحكومة أن الملكية ستظل “100% مصرية”، فإن عقود الامتياز طويلة الأجل في إدارة وتشغيل المحطات تمنح الشركات الأجنبية، بحكم الأمر الواقع، قدرة واسعة على التحكم في أولويات التشغيل، وتعرفة الخدمات، وربما في نوعية البضائع والسفن المستهدفة، بما ينعكس على القرار السيادي في أوقات الأزمات.
مع وجود سوابق لشراكات مع شركات عالمية في موانئ أخرى (مثل اتفاقيات مع MSC وغيرها)، يتخوف منتقدون من أن يتحوّل نمط “الشراكة في الإدارة” إلى مسار شبه ثابت لخصخصة الوظيفة الاستراتيجية للموانئ، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة للعملة الصعبة وضغوط الديون.
المخاطر والفرص: أسئلة معلّقةمن الناحية الاقتصادية، قد تحقق الشراكة مع شركات أمريكية متقدمة في التكنولوجيا واللوجستيات نقلة في كفاءة التشغيل، وتقليل زمن انتظار السفن، وزيادة تنافسية الموانئ المصرية مقارنة بموانئ منافسة في اليونان وتركيا وإسرائيل؛ لكن السؤال يبقى حول نصيب الشركات الوطنية والعمالة المحلية من هذه الطفرة.
سياسيًا، يربط مراقبون بين هذا الانفتاح وبين مساعي القاهرة لتعميق علاقاتها مع واشنطن بعد سنوات من التوتر النسبي، مستفيدة من الورقة الجيوسياسية للموانئ والممرات البحرية في سياق صراع دولي محتدم على خطوط التجارة والطاقة.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن “استثمارات وفرص وشراكات” وصوت معارض يحذر من “بيع جزئي للقرار البحري” يبقى مصير هذه الدعوات مرهونًا ببنود العقود النهائية، ومستوى الشفافية في طرحها للرأي العام، وحدود ما يُمنح من امتيازات حصرية للشركات الأجنبية داخل بوابات مصر البحرية.











