حاليا، استراتيجية الغرب (أوروبا والولايات المتحدة) في السودان، تقوم على صناعة “توازن ضعف”، بإبقاء جميع الأطراف المتحاربة في حالة إنهاك مستمر. فبدلا من تمكين الدولة الشرعية لحسم المعركة وتأسيس سيادة مكتملة، يتم تكريس حالة إنهاك متبادل تبقي جميع المتقاتلين في مستوى دون الحسم، ودون الانهيار الكامل.
الولايات المتحدة وحلفاؤها يعملون على ضبط الإيقاع، وليس على إنهاء العزف. وفي هذا السياق، تبدو الوعود المتوازية جزء من لعبة توزيع السيطرة على مراكز القرار المحلي. فبينما تلوح واشنطن للحكومة في الخرطوم بإمكانية تصنيف الدعم السريع كـ”مليشيا إرهابية”، تبقي في الوقت ذاته قنوات اتصال مفتوحة مع قوى إقليمية داعمة للمليشيا، وتحتفظ بخطوط التفاوض مع الدعم السريع نفسها حاضرة في الكواليس، لتحول الأزمة السودانية إلى “باب دوار”.
العقوبات الأخيرة التي أعلنها الاتحاد الأوروبي على بعض قادة المقاومة الشعبية، مثل المصباح طلحة أبو زيد، قائد فصيل “البراء بن مالك”، والأمير الطيب جودة، ناظر عشيرة “الكواهلة النفيدية”، تقع ضمن استراتيجية “توازن الضعف”. ومن المعروف أن العقوبات عبارة عن سلاح لإعادة هندسة وترتيب المشهد السياسي الداخلي، عبر وسم فاعلين محددين بصفتهم معرقلي السلام أو مهددي الاستقرار.
إذا كانت “الجزرة” هي وعود الاعتراف ورفع العزلة، فإن “العصا” تمثل منظومة العقوبات المتدرجة. وغالبا سيتم إدراج شخصيات عسكرية من القوات المشتركة وقيادات قبلية أخرى في قوائم الاستهداف، خصوصا أولئك الذين يتوقع أن يرفضوا أو يناهضوا مبادرة التسوية الأمريكية المزمع طرحها على الحكومة السودانية، والتي تتضمن مقترحا بانسحاب الدعم السريع إلى مناطق حواضنه.
الغرب والولايات المتحدة يسعون لإتمام تسوية تنهي الحرب مؤقتا، ثم إعادة تدوير الصراع بشكل لامركزي، يبقي على مراكز قوة مسلحة خارج سلطة الدولة. هذا النهج لا يحقق سلام مستدام، بل يرحل القوة إلى الأطراف، ويبقي المشهد السوداني عرضة للتقلبات والصراعات.
الإشكال الأكبر لا يكمن فقط في الاستراتيجية الغربية، بل في قابلية الداخل السوداني للاختراق. فحين تتعدد مراكز القرار وتتضارب الرؤى الوطنية، يصبح الباب مفتوح أمام تدويل ممنهج للأزمة، وتتحول العقوبات والتسويات إلى أدوات ضغط داخلية، يستثمرها طرف ضد آخر.
اليوم، يقف السودان عند مفترق طرق بين الحفاظ على السيادة الوطنية باحتكار الدولة للعنف المشروع، وبين تسويات قائمة على توازن ضعف تحت كنترول دولي.
اللحظة السودانية تتطلب وعي استراتيجي يتجاوز ردود الأفعال، ويعيد تعريف المصلحة الوطنية بمعزل عن اصطفافات الحرب ومحاولات احتكار السلطة. يجب على جميع الأطراف الحاكمة توحيد مركز قرارها، وإنتاج سرديتها السيادية، وفرض أولوياتها في التفاوض.
وإلا فإن لعبة العصا والجزرة ستستمر، وسيتحول السودان إلى ساحة صراع دولي، بدلا من أن يكون فاعل مستقل في المعادلة الدولية.









