كلينتون في مرمى نيران الكونغرس: هل تكشف إفادات إبستين أسرارًا محرجة أم براءة متأخرة؟
تورط بيل كلينتون في قضية جيفري إبستين ما زال حتى الآن في إطار الاشتباه السياسي والإعلامي، وليس في إطار اتهامات جنائية مباشرة أو دعاوى من الضحايا ضده شخصيًا.
الوثائق والتحقيقات الفيدرالية الأخيرة ركزت على طبيعة علاقته بإبستين، ورحلاته على طائرته الخاصة، وضغوط الكونغرس للإدلاء بشهادته، لكن كلينتون يواصل نفي علمه بجرائم إبستين أو ضلوعه فيها، ولم تُوجه له اتهامات رسمية حتى مطلع 2026.
أقام بيل كلينتون علاقة اجتماعية ومهنية مع جيفري إبستين مطلع الألفية، تداخلت فيها الأعمال الخيرية مع النفوذ السياسي والمالي.
تشير سجلات الرحلات للطائرة الخاصة المعروفة إعلاميًا باسم “لوليتا إكسبريس” إلى سفر كلينتون على متن طائرة إبستين عدة مرات بين عامي 2001 و2003، وغالبًا في سياق نشاطات مرتبطة بمؤسسة كلينتون أو جولات مدفوعة الأجر لإلقاء محاضرات.
في تلك الفترة، لم يكن إبستين قد أدين بعد بجرائم الاستغلال الجنسي، ما جعل هذه العلاقة تبدو حينها جزءًا من شبكة واسعة من الاتصالات بين رجال سياسة وأعمال ومشاهير.
مع تفجر القضية لاحقًا واتهامات الاستغلال الجنسي والاتجار بالفتيات القاصرات، تحولت تلك العلاقة القديمة إلى عبء سياسي وإعلامي على كلينتون، رغم إصراره على أن لقاءاته مع إبستين كانت محدودة وذات طابع مهني أو خيري.
وثائق طيران أخرى غيرت الرواية الرسمية جزئيًا، بعدما أظهرت أن عدد الرحلات أكبر مما أقرّ به فريق كلينتون في البداية، وهو ما غذّى الشكوك والجدل حول مدى قربه الحقيقي من إبستين.
أحدث الوثائق والتحقيقات الفيدرالية
في أواخر 2025، أُطلقت عملية اتحادية واسعة لمراجعة علاقة إبستين بعدد من الشخصيات البارزة، كان من بينها بيل كلينتون.
جاءت هذه الخطوة في سياق تشريعات جديدة ألزمت وزارة العدل بنشر ملفات مرتبطة بتحقيقات إبستين، ما أدى إلى الإفراج عن ملايين الصفحات من المراسلات والسجلات، تضمن بعضها ذكرًا متكررًا لاسم كلينتون، ومواد مرجعية حول رحلاته المشتركة مع إبستين.
كما كشفت تقارير إعلامية أن مكتب التحقيقات الفيدرالي سبق أن درس مزاعم تتعلق باسم كلينتون ضمن سياق القضية، من دون أن يعلن عن توجيه اتهاماتفي يناير 2026، أشار نقاش عام إلى أن جزءًا من تلك التحقيقات ركز على ما إذا كانت رحلات كلينتون على طائرة إبستين ارتبطت بأي سلوك غير قانوني، أو بوجود ضحايا محتملين ضمن الوفود المرافِقة، لكن لم تظهر حتى الآن وثائق رسمية تثبت ذلك.
كثير من الملفات المنشورة جاءت منقوصة أو معتمة الأسماء، ما أبقى مساحة كبيرة للتأويل والتكهنات، بدلاً من تقديم صورة قاطعة وواضحة للرأي العام.
موقف كلينتون القانوني والإعلامي
من الناحية القانونية، لا يواجه بيل كلينتون حتى وقت كتابة هذا التقرير أي اتهام مباشر من النيابة أو شكوى علنية من ضحايا إبستين تتهمه بسلوك إجرامي.
تؤكد تقارير متعددة أن أيًا من الناجيات من شبكة إبستين لم تقدم، في العلن على الأقل، رواية تتهم كلينتون بالاعتداء أو التواطؤ، بل إن إحدى الشاهدات التي ظهرت صور لها وهي تقدم له تدليكًا عابرًا على إحدى الرحلات وصفت سلوكه بأنه “كان رجلًا محترمًا”.
مع ذلك، يواجه كلينتون ضغطًا متواصلًا على مستوى الصورة العامة، إذ تُستخدم صوره على متن طائرة إبستين أو في مناسبات مشتركة كرمز لعلاقة نخبوية مغلقة سمحت لإبستين بالتحرك عقودًا دون محاسبة.
فريق كلينتون الإعلامي ردّ باتهام وزارة العدل بالانتقائية في نشر الملفات، معتبرًا أن طريقة الإفراج عن الوثائق توحي بوجود شبهات من دون تقديم أدلة حاسمة، وطالب بنشر كامل المواد التي يظهر فيها اسم كلينتون لإزالة اللبس، بحسب بيان رسمي صدر أواخر 2025.
ضغوط الكونغرس واستدعاء الشهادة
على المسار السياسي، برز تطور مهم تمثل في تحرك لجنة الرقابة في مجلس النواب لاستدعاء بيل وهيلاري كلينتون للإدلاء بشهادتهما حول علاقتهما بإبستين.
رئيس اللجنة المحافظ جيمس كومر أشار في خطاب الاستدعاء إلى أن الأسرة كانت على “صلة وثيقة” بإبستين ورفيقته غيسلين ماكسويل، مستندًا إلى سجلات الرحلات والصور المشتركة التي أظهرت كلينتون في عدة مناسبات مع المتهمين.
رفض الزوجان كلينتون في البداية المثول بالشروط التي حددتها اللجنة، ما دفع الأغلبية الجمهورية في المجلس، مدعومة بعدد من الديمقراطيين، إلى الدفع باتجاه تصويت على قرار بازدراء الكونغرس بحقهما، كإجراء رمزي وقانوني يهدف لإجبارهما على التعاون.
هذا التوتر بين الكونغرس والكلينتونات عزز الانطباع العام بوجود ما يخشاه الطرفان من الكشف، حتى لو لم يكن ذلك بالضرورة دليلًا على تورط جنائي مباشر في جرائم إبستين.
ما الجديد في ملفات إبستين الأخيرة؟
الموجة الأحدث من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل في أواخر 2025 ومطلع 2026 تضمنت ملايين الصفحات، تطرقت إلى علاقات إبستين مع سياسيين ورجال أعمال وشخصيات ثقافية حول العالم.
بالنسبة لكلينتون، أعادت هذه الملفات تثبيت ما كان معروفًا من قبل: وجوده على قوائم الرحلات، وظهوره في صور ومراسلات اجتماعية، ومشاركته في بعض الأنشطة الخيرية التي رعاها إبستين أو دعمها ماليًا.
لكن اللافت أن تلك الملفات لم تحمل – حتى الآن – “القنبلة” التي كان ينتظرها بعض خصومه السياسيين: فلا اتهام صريح، ولا شهادة مباشرة تربط اسمه بجرائم الاستغلال الجنسي التي ارتكبها إبستين.
في المقابل، يستغل منتقدوه استمرار الغموض والثغرات في الوثائق لإبقاء القضية حية في الفضاء السياسي، خصوصًا مع سعيهم للتشكيك في إرثه وإرث زوجته السياسي في لحظة استقطاب حاد داخل الولايات المتحدة.
بين الشبهات السياسية والوقائع القانونية
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو “قضية تورط” بيل كلينتون في ملف إبستين أقرب إلى نزاع سياسي وإعلامي حول الشفافية والأخلاق العامة، منها إلى قضية جنائية محددة المعالم.
وجود اسمه في سجلات الطيران والوثائق لا يُترجم تلقائيًا إلى مسؤولية قانونية، لكنه يطرح أسئلة أخلاقية عن حدود علاقة الساسة برجال المال النافذين، وعن مسؤولية التدقيق في من يحيطون بهم.
إلى أن تكشف التحقيقات الفيدرالية أو جلسات الاستماع في الكونغرس عن معلومات جديدة، سيظل وضع كلينتون عالقًا بين روايته التي تؤكد جهله بجرائم إبستين، ورواية خصومه الذين يرون في الوثائق وسجلات الرحلات قرائن سياسية كافية لإدانته معنويًا أمام الرأي العام حتى من دون حكم قضائي.










