كادوقلى مدينة رهينة: كيف تحولت عاصمة جنوب كردفان إلى ورقة فى حرب الخرطوم الجديدة؟
مدينة كادوقلى، عاصمة ولاية جنوب كردفان، تحولت خلال الأيام الماضية إلى عنوان رئيسى لمعادلات الحرب والسلام فى السودان بعد إعلان الجيش السودانى فك الحصار المفروض عليها منذ أشهر، فى تطور ميدانى يصفه مراقبون بأنه الأهم على جبهة كردفان منذ سقوط الفاشر وتحول ثقل المعركة من دارفور إلى الوسط والجنوب.
كادوقلى من حصار طويل إلى «اختراق» عسكرى
طوال الشهور الماضية عاشت كادوقلى تحت حصار مزدوج من قوات الدعم السريع وحركة SPLM–N بقيادة عبدالعزيز الحلو، حيث أُغلقت الطرق المؤدية إليها، خاصة طريق كادوقلى – الأبيض، وتعرضت أحياؤها للقصف المدفعى والغارات الجوية، ما أدى إلى نزوح غالبية سكانها.
تقارير الأمم المتحدة أكدت أن نحو 80% من سكان المدينة، أى قرابة 147 ألف شخص، غادروها إلى مناطق أخرى داخل جنوب كردفان أو إلى ولايات مجاورة، لتصبح كادوقلى واحدة من بؤر أكبر أزمة نزوح فى العالم، مع وصول إجمالى النازحين فى السودان إلى 13.6 مليون شخص.
فى هذا السياق، مثّل إعلان الجيش السودانى، اليوم الثلاثاء، وصول قواته إلى كادوقلى وفك الحصار عنها نقطة تحول ميدانية، بعدما نجحت وحدات من القوات المسلحة فى فتح طريق إمداد جديد نحو المدينة ضمن هجوم معاكس واسع فى إقليم كردفان.
رسالة البرهان: لا هدنة تحت الحصار
القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان استثمر «اختراق كادوقلى» لإرسال رسالة سياسية وعسكرية قوية، مؤكداً فى كلمة متلفزة أن القوات المسلحة «ستصل إلى أى مكان فى السودان»، ومجدداً رفضه لأى هدنة تتم بينما تستمر مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها فى حصار المدن وقطع الطرق.
البرهان شدد على أن أى وقف لإطلاق النار يجب ألا يتحول إلى فرصة لإعادة تنظيم صفوف «العدو»، فى إشارة إلى الدعم السريع، مؤكداً أن الجيش يقاتل دفاعاً عن «بقاء ووجود السودانيين وحقهم فى أن يحكموا بلدهم» وأن كل من أراد بالسودان شراً «إلى زوال».
هذه اللغة التصعيدية تكشف كيف يوظف الجيش فك الحصار عن كادوقلى لتبرير استمرار العمليات العسكرية ورفض الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار دون ترتيبات تضمن انسحاب الدعم السريع من المدن ورفع الحصار عن مناطق النزاع.
كادوقلى فى قلب معركة كردفان
منذ انتقال ثقل المعارك من الخرطوم إلى دارفور ثم كردفان، برزت كادوقلى ودلنج وبابنوسة كعقد إستراتيجية تحاول كل من القوات المسلحة والدعم السريع السيطرة عليها لضمان التحكم فى خطوط الإمداد بين الوسط والغرب وتأمين حقول النفط والبنى التحتية الحيوية.
تقارير ميدانية أشارت إلى أن الدعم السريع، مدعوماً بمقاتلين وإمدادات عبر ليبيا الجنوبية، حاول تطويق وتدمير تشكيلات رئيسية للجيش فى بابنوسة وكادوقلى ودلنج، إلا أن هجوماً معاكساً واسعاً للقوات المسلحة غرب الأبيض أعاد لها زمام المبادرة نسبياً فى الأيام الأخيرة.
فى الجبهة الجنوبية لكردفان، تزامنت معارك الجيش والدعم السريع مع تحركات لقوات الحركة الشعبية – شمال (الحلو) التى استهدفت مواقع للجيش حول كادوقلى، ما خلق واقع «جبهات متداخلة» تستخدم فيها الأطراف المختلفة ضغط بعضها على بعض دون تحالف معلن بينها.
ثمن إنسانى فادح داخل المدينة
التقارير الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية تحذر من أن فك الحصار عسكرياً لا يعنى بالضرورة انتهاء معاناة المدنيين فى كادوقلى، إذ ما زالت المدينة ومحيطها تحت تهديد القصف المتبادل، بينما دُمرت أجزاء من البنية التحتية الأساسية.
الحصار الطويل أدى إلى نقص حاد فى الغذاء والدواء والوقود، وارتفاع كبير فى أسعار السلع الأساسية، مع صعوبة وصول المساعدات الإنسانية بسبب إغلاق الطرق والمخاطر الأمنية على القوافل، ما جعل جنوب كردفان من أكثر الولايات هشاشة فى السودان حالياً.
منذ بداية الحرب الحالية، حذرت الأمم المتحدة من أن تحوّل كادوقلى ودلنج إلى مناطق قتال مفتوحة قد يدفع مزيداً من السكان إلى النزوح نحو جنوب السودان، وهو ما بدأت مؤشراته بالفعل مع إغلاق الحدود رسمياً وتركها مفتوحة فى الوقت نفسه أمام المدنيين الفارين من المعارك.
حسابات الأطراف وحدود التقدم العسكرى
بالنسبة للجيش، يمثل الوصول إلى كادوقلى خطوة رمزية وعملية فى آن واحد: رمزية لأنه يكسر صورة المدينة المحاصرة، وعملية لأنه يفتح ممر إمداد يمكن أن يُستخدم لتعزيز قوات «الفرقة 14 مشاة» وتمكينها من شن عمليات دفاعية وهجومية فى جنوب كردفان.
أما الدعم السريع، فلم يصدر عنه رد واضح حتى الآن على إعلان الجيش، لكن استمرار الحصار الجزئى والتوتر حول المدينة يعنى أن المعركة لم تُحسم نهائياً، وأن القوات المهاجمة تواجه تحدى تثبيت سيطرتها على الطريق وتأمينه من الكمائن والهجمات المضادة.
فى الخلفية، تواصل الحركة الشعبية – شمال التمركز حول الجبال والمناطق الوعرة قرب كادوقلى، مستفيدة من خبرتها الطويلة فى حرب الجنوب/النوبة، ما يمنحها أوراق ضغط إضافية فى أى تسوية مستقبلية تخص وضع جنوب كردفان وترتيبات الحكم الذاتى أو الفيدرالى.
تطورات كادوقلى تعكس، بحسب قراءات دبلوماسية، انتقال الحرب فى السودان إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تتداخل المعارك بين أطراف متعددة فى إقليم واحد، بينما تتآكل قدرات الدولة وتزداد مخاطر تمدد الصراع إلى دول الجوار.
مجلس الأمن الدولى يستعد لمناقشة الوضع فى السودان خلال فبراير، مع تحذيرات من أن استمرار العمليات فى كردفان ودارفور، واستخدام الحصار والتجويع كسلاح، يقودان البلاد إلى كارثة إنسانية أعمق ويجعلان أى تسوية سياسية أكثر كلفة وتعقيداً.
فى هذا المشهد، تبدو كادوقلى رمزاً لصراع أوسع على شكل السودان المقبل: دولة مركزية تسيطر عليها قوة عسكرية واحدة، أم فضاء مفتت تهيمن فيه المليشيات والحركات المسلحة على الأقاليم، وهو سؤال سيتوقف جوابه على ما ستؤول إليه معارك الأيام والأسابيع المقبلة.










