يمكن بالفعل أن يكون لبعض قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب آثار إيجابية في مجالات محددة، رغم الجدل الواسع الذي تثيره داخليًا وخارجيًا.
يتوقف تقييم هذا الأثر الإيجابي على زاوية النظر: الاقتصاد، الأمن القومي، التحالفات، أو السياسة الداخلية والاجتماعية.
خلفية عن قرارات ترامب في ولايته الثانية
مع بداية عام 2026، بات واضحًا أن إدارة ترامب الثانية تسير في خط أكثر تشددًا على مستوى الاقتصاد والتجارة والهجرة والأمن القومي.
من أبرز ملامح هذه المرحلة: توسيع الرسوم الجمركية، تشديد قيود الهجرة، إعادة صياغة دور الولايات المتحدة في الاتفاقيات الدولية، والضغط على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي.
على صعيد السياسة الخارجية، شهد العام الماضي تصعيدًا في استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية: مستويات قياسية من الرسوم الجمركية، ضربات ضد أهداف في إيران، وتشديد اللهجة تجاه روسيا والصين، مع إصرار على رفع مساهمات حلفاء الناتو في الدفاع.
أما داخليًا، فتُطرح إصلاحات في الضرائب واللوائح التنظيمية، مع توجه لتخفيف كثير من القيود البيئية والرقابية بحجة تنشيط الاستثمار والطاقة والصناعة.
أين يمكن أن تظهر الآثار الإيجابية؟1. الاقتصاد والنمو وفرص العمليراهن ترامب على أن الجمع بين تخفيف القيود التنظيمية وتجديد التخفيضات الضريبية ورفع الرسوم الجمركية يمكن أن يعيد توطين جزء من الصناعة داخل الولايات المتحدة.
التقارير المتخصصة تشير إلى أن تقليل الأعباء التنظيمية وفتح مجالات جديدة للاستثمار في الطاقة التقليدية والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي قد يوفر فرصًا رأسمالية ووظائف على المدى المتوسط.
في ملف التجارة، تستخدم الإدارة الرسوم الجمركية كسلاح تفاوض لجذب الاستثمارات وتعديل شروط التبادل التجاري لصالح المنتج الأميركي، وهو ما قد يمنح بعض القطاعات الصناعية حماية وقتية تتيح لها إعادة الهيكلة والزيادة في الإنتاج.
إذا تحققت التوقعات بتسارع النمو وتحسن التوظيف، فقد يُنظر إلى هذه السياسات كمرحلة «علاج بالصدمة» أعادت التوازن للقطاعات الصناعية المتضررة من العولمة
- أمن الحدود والهجرةفي ملف الهجرة، تضع إدارة ترامب أولوية لإنهاء سياسات «القبض والإفراج»، استكمال الجدار الحدودي، وتقييد اللجوء لمن يعبرون الحدود بشكل غير قانوني، مع وقف التمويل عن منظمات ترى الإدارة أنها تُضعف إنفاذ القانون.
أنصار هذه السياسات يرون أن التشدد قد يؤدي إلى خفض أعداد العابرين بشكل غير نظامي، وتقليل شبكات التهريب والجريمة المنظمة المرتبطة بالحدود، وبالتالي تعزيز الأمن الداخلي.
تطبيق هذه الإجراءات قد يخفف الضغط على الخدمات العامة في بعض الولايات الحدودية، ويمنح السلطات مزيدًا من القدرة على إدارة ملفات اللجوء والهجرة وفق أولويات اقتصادية وأمنية أكثر صرامة
- السياسة الخارجية والتحالفاتسياسة ترامب في الضغط على حلفاء الناتو لرفع إنفاقهم الدفاعي أسفرت عن التزامات إضافية من دول أوروبية بزيادة الميزانيات العسكرية إلى مستويات قياسية.
هذا التوجه، رغم توتره، قد يؤدي إلى توزيع أكثر توازنًا لأعباء الدفاع عن الغرب، وتقوية القدرات العسكرية للحلف بشكل عام في مواجهة روسيا وغيرها من الخصوم.
في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، تُطرح رؤية تقوم على استخدام الضغط العسكري والاقتصادي المباشر لتحقيق أهداف سريعة، كما حدث في الضربات ضد مواقع إيرانية، وملف فنزويلا، ما قد يعيد رسم بعض موازين القوى في المدى القصير لصالح واشنطن وحلفائها
- البنية التحتية والطاقة والذكاء الاصطناعي
إعادة توجيه السياسات البيئية وتخفيف القيود على النفط والغاز وفتح مزيد من الأراضي الفيدرالية للاستكشاف، يُروج لها باعتبارها وسيلة لتعزيز «أمن الطاقة» الأميركي وخفض الاعتماد على الواردات.
كما أن دعم مشروعات البنية التحتية التقليدية والرقمية، مع ازدياد الطلب على الطاقة بسبب الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، قد يولّد طفرة استثمارية في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات.
هذا الربط بين البنية التحتية الرقمية والقدرات التقليدية للطاقة يُقدَّم كفرصة لخلق وظائف جديدة وتعزيز تنافسية الشركات الأميركية في سباق التكنولوجيا العالمي.
أين تتركز الانتقادات والمخاطر؟
برغم هذه الإمكانات الإيجابية، تُحذّر تحليلات اقتصادية من أن الرسوم الجمركية المرتفعة قد ترفع الأسعار على المستهلك الأميركي وتضغط على الدخل الحقيقي للأسر، مع تقديرات بتراجع متوسط الدخل السنوي بفعل سياسة الرسوم.
استطلاعات الرأي تُظهر أن غالبية الأميركيين ترى أن سياسات ترامب الاقتصادية، خصوصًا الرسوم، رفعت الأسعار وأثّرت سلبًا على الوظائف والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة، ما انعكس على شعبيته بشكل واضح.
في مجال البيئة، يخشى المنتقدون من أن إلغاء القيود البيئية والانسحاب من اتفاقات المناخ العالمية سيؤديان إلى تسارع الانبعاثات ويُضعفان قيادة الولايات المتحدة في ملف المناخ، مع ما يحمله ذلك من تبعات طويلة المدى.
كما يُنظر إلى تشدد الهجرة وخطاب المواجهة مع الحلفاء والمنافسين على أنه يضعف «القوة الناعمة» الأميركية، ويُعزز صورة الانقسام في الداخل، حيث تشير الاستطلاعات إلى شعور شريحة واسعة بأن سياسات الإدارة تخدم الأثرياء أكثر من الطبقة الوسطى.
خلاصة
صحفية لزاوية التقرير يمكن القول إن قرارات ترامب تُنتج مشهدًا مزدوجًا: مكاسب محتملة في إعادة توطين الصناعة، تشديد أمن الحدود، وتحميل الحلفاء نصيبًا أكبر من كلفة الدفاع، مقابل كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية قد تتضح بحدة أكبر في السنوات المقبلة
السؤال المفتوح أمام المراقبين هو ما إذا كانت هذه السياسات ستُذكر لاحقًا كمرحلة «تصحيح قاسٍ» أنقذ الاقتصاد الأميركي والنظام الدولي من الاختلال، أم كرهان عالي المخاطر عمّق الانقسام وأضعف موقع الولايات المتحدة على المدى البعيد.











