في خضمّ الفوضى الليبية المتجددة، عاد اسم اللواء 444 وقائده محمود حمزة إلى الواجهة، بعد اتهامات غير رسمية بتورط التشكيل المسلح في اغتيال سيف الإسلام القذافي، قبل أن يسارع اللواء إلى نفي أي صلة له بالحادثة في بيان واضح وحادّ اللهجة.
وبين روايات متضاربة وبيانات متلاحقة، يجد القارئ نفسه أمام سؤال جوهري: من هو الرجل الذي يقود واحدة من أقوى التشكيلات العسكرية في طرابلس، ولماذا تُربط قوته بكل منعطف حاد في المشهد الليبي؟
من هو محمود حمزة؟
محمود حمزة ضابط عسكري ليبي يتولى قيادة اللواء 444 قتال، أحد أقوى الألوية المسلحة التابعة اسميًا لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، والمتمركز أساسًا في العاصمة طرابلس ومحيطها.
برز اسمه بعد 2011، حيث بدأ مساره ضمن قوة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة قبل أن ينشق عنها ويؤسس كتيبة «20-20» التي تحولت لاحقًا إلى اللواء 444، الذي صار لاعبًا أمنيًا وعسكريًا رئيسيًا في غرب البلاد.
بحسب معطيات متداولة في تقارير وتحليلات عربية، يُنظر إلى حمزة باعتباره قائدًا ميدانيًا صارمًا يملك شبكة نفوذ متنامية، مع اتهامات من خصومه بالحصول على دعم خارجي، خصوصًا من تركيا، في إطار الصراع على النفوذ في طرابلس.
في المقابل، تقدمه أطراف محلية أخرى كقائد قوة منضبطة ساهمت في الحد من الجريمة المنظمة، وفرض قدر نسبي من الأمن في مناطق نفوذه، ما منحه حاضنة اجتماعية محدودة لكن مؤثرة في بعض الأحياء والمدن.
نفوذ اللواء 444 ومناطق انتشاره
يتخذ اللواء 444 من جنوب طرابلس نقطة ارتكاز رئيسية، مع انتشار في مناطق تمتد إلى ترهونة وبني وليد وجنوب جبل نفوسة، وهي مناطق ذات ثقل جغرافي واستراتيجي على طرق التهريب وخطوط الإمداد نحو الصحراء.
وتُسند إلى اللواء مهام معلنة تشمل مكافحة تهريب البشر والسلاح والمخدرات، إضافة إلى ملاحقة مجموعات تصنف كعصابات خطف وابتزاز، وهو ما وثقته بيانات رسمية وعمليات ميدانية، بينها ضبط شحنات مخدرات كبيرة واعتراض قوافل للمهاجرين غير النظاميين.
هذا التمدد السريع في الجغرافيا والنفوذ، جعل اللواء 444 يدخل في أكثر من مرة في صدام مباشر مع تشكيلات مسلحة منافسة، أبرزها «جهاز الردع» و«جهاز دعم الاستقرار»، في معارك دامية شهدتها طرابلس خلال الأعوام الأخيرة.
واحدة من أهم المحطات كانت اعتقال محمود حمزة نفسه في مطار معيتيقة في أغسطس 2023، ما أشعل اشتباكات واسعة بين اللواء 444 وقوة الردع، وأوقع عشرات القتلى والجرحى، قبل أن تُفضّ الأزمة بوساطات محلية وإجراءات إطلاق سراحه.
اتهامات خارجية ودور متصاعد
تحوّل اللواء 444 في سنوات قليلة من كيان محلي محدود إلى لاعب مركزي في معادلة الأمن غرب ليبيا، حتى وُصف في بعض التقارير بأنه من «أقوى المجموعات المسلحة في العاصمة»، بسيطرته على مساحات واسعة وامتلاكه قدرة على فرض الأمر الواقع الميداني.
هذا الصعود ترافق مع اتهامات سياسية بأن اللواء يمثّل إحدى أذرع النفوذ التركي في طرابلس، بحكم تبعيته لحكومة معترف بها دوليًا مدعومة من أنقرة، وارتباطه بترتيبات أمنية أوسع في المنطقة الغربية.
في المقابل، روّج اللواء 444 لنفسه كقوة «فرض استقرار»، من خلال إبراز عملياته ضد التهريب والجريمة المنظمة، والتدخل لوقف اشتباكات بين ميليشيات متصارعة، وهي صورة تحاول قيادة اللواء ترسيخها في الداخل والخارج على السواء.
هذا التناقض بين صورة «حارس الأمن» و«ذراع الأطراف الخارجية» هو ما جعل اسم اللواء وقائده يُستدعى تلقائيًا مع كل حدث أمني كبير في غرب ليبيا.
اغتيال سيف الإسلام القذافي: الاتهام والنفي
في الثاني من فبراير 2026، نقلت وسائل إعلام عربية وليبية أن سيف الإسلام القذافي قُتل في اشتباكات مسلحة وقعت قرب منطقة الزنتان، جنوب غرب البلاد، في ظروف اتسمت بالغموض والتضارب بين التأكيد والنفي.
مصادر محلية أشارت إلى أن الاشتباكات جرت بالقرب من حقل الحمادة النفطي، وتحدثت بعض التقارير عن تورط قوة مسلحة تُنسب إلى اللواء 444 في العملية، ما فتح الباب على موجة واسعة من الاتهامات غير المؤكدة.
لاحقًا، أكد ممثل سيف الإسلام في منتدى الحوار السياسي الليبي خبر مقتله، في حين تنازعت الروايات الإعلامية بين من يصف ما جرى بأنه «اغتيال سياسي» ومن يدرجه في سياق اشتباك ميداني بين تشكيلات مسلحة.
في المقابل، خرج اللواء 444 ببيان صريح نفى فيه أي علاقة له بمقتل سيف الإسلام القذافي، مؤكّدًا أنه لا يملك أي قوة منتشرة داخل مدينة الزنتان أو في نطاقها الجغرافي، وأن ما جرى لا يربطه به أي اتصال مباشر أو غير مباشر.
بهذا النفي العلني، حاول اللواء 444 قطع الطريق أمام تحميله مسؤولية حادثة ستكون لها ارتدادات سياسية وقبلية عميقة في ليبيا، خاصة أن سيف الإسلام ظل رمزًا مهمًا لأنصار النظام السابق، وورقة سياسية حاضرة في حسابات بعض القوى الإقليمية والمحلية.
ومع غياب إعلان رسمي من جهة محددة بتبني العملية حتى الآن، يبقى ملف اغتيال سيف الإسلام مفتوحًا على احتمالات سياسية وإعلامية متعددة، تتجاوز البعد الأمني المباشر إلى صراع أوسع على رواية ما يحدث في ليبيا ومن يتحكم به.
محمود حمزة بين صورة «قائد النظام» و«متهم محتمل»في ضوء هذه التطورات، يجد محمود حمزة نفسه مرة أخرى في قلب عاصفة سياسية وإعلامية، إذ يُقدمه أنصاره كقائد قوة ضرورية لكبح الفوضى في طرابلس ومحيطها، بينما يراه خصومه رأس حربة لمعسكر نفوذ خارجي، وورقة ضغط تستخدمها أطراف داخلية في معركة السلطة والثروة.
الاتهامات التي تُوجّه إلى اللواء 444 بمحاولة أو تنفيذ اغتيال سيف الإسلام القذافي، رغم نفيها رسميًا، تعكس حجم الاستقطاب الذي يحيط بالرجل وتشكيله العسكري، في مشهد يختلط فيه الأمني بالسياسي، والداخلي بالإقليمي.
ومع غياب مؤسسات قضائية موحدة، وسلطة مركزية قادرة على إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة، تبقى صورة محمود حمزة واللواء 444 أسيرة للروايات المتصارعة، ولقوة من يمتلك منبرًا إعلاميًا أوسع أو دعمًا خارجيًا أمتن في سرد قصته.
هكذا، يتحول قائد اللواء 444 إلى مرآة لأزمة ليبيا نفسها: صراع نفوذ متعدد المستويات، حيث الرصاصة على الأرض تسبق الحقيقة في الوصول إلى الرأي العام.












