ترامب بين صورتين: فى أرشيف إبستين وعلى رأس “الأسطول” المتجه لإيران
التسريبات الجديدة لصور ووثائق جيفري إبستين أعادت القضية إلى واجهة المشهد الأمريكى والعالمى، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية مرتقبة ضد إيران، وهو تزامن يفتح الباب أمام أسئلة سياسية وإعلامية حساسة حول توظيف الفضيحة فى معركة الرأى العام.
عودة ملف إبستين إلى الواجهة
خلال الأيام الأخيرة شهدت الولايات المتحدة دفعة جديدة وضخمة من ملفات جيفري إبستين، تضمنت ملايين الوثائق والصور، نشرتها وزارة العدل الأمريكية استجابة لضغوط سياسية وقضائية متراكمة.
وتشير تقارير إلى أن هذه الحزمة تشمل مراسلات وأسماء وصورًا لشخصيات سياسية واقتصادية بارزة، ما أعاد الجدل حول حجم شبكة النفوذ التى نسجها إبستين قبل وفاته.
الصور الحديثة التى جرى تداولها، وبينها لقطات محرجة لشخصيات ملكية وسياسية سابقة، غذّت نقاشًا واسعًا فى الإعلام البريطانى والأمريكى حول حدود المحاسبة، وعن سر استمرارية “سطوة” اسم إبستين بعد سنوات من رحيله الغامض فى زنزانته.
كما أن نشر عشرات الصور التى تربط إبستين برؤساء سابقين وقادة أعمال عالميين أعاد إلى الواجهة سؤال التواطؤ السياسى والإعلامى مع الرجل وشبكاته.
تسريبات لا تنتهى وأسئلة عن الغايةرغم أن وزارة العدل تؤكد أن عملية نشر الملفات جاءت التزامًا بمواعيد قضائية فرضها الكونغرس، فإن طريقة التقطيع الزمنى وظهور دفعات متتابعة تثير شكوكا لدى جزء من الرأى العام حول توقيت كل “دفعة” من التسريبات.
ففى ديسمبر الماضى مثلًا، أُفرج عن مجموعة كبيرة من الصور التى تُظهر إبستين مع شخصيات مثل بيل كلينتون ودونالد ترامب وغيرهما، دون أن تحمل هذه الصور بحد ذاتها أدلة مباشرة على ارتكاب جرائم جديدة، لكنها تُستخدم لخلق مناخ ضغط سياسى وإعلامى.
إلى جانب التسريبات الرسمية، ساهمت تسريبات أخرى مصدرها هجمات إلكترونية ذات صلة بإيران، فى تعزيز سرديات تربط إبستين بأجهزة استخبارات أجنبية، بينها الموساد، وبمحاولات التأثير على ملفات حساسة مثل الضربات على إيران أو الحرب فى سوريا، وهو ما لم يحظ بتغطية واسعة فى الإعلام الأمريكى التقليدى مقارنة بوسائل الإعلام البديلة.
هذه الهوة بين حجم ما يُكشف فى الوثائق وبين حجم ما يُناقش فعليًا على الشاشات، alimentت نظريات المؤامرة القائلة إن الملفات تُدار سياسيًا أكثر مما تُكشف بشفافية كاملة.
طبول الحرب على إيران
بالتزامن مع انفجار الاهتمام الإعلامى بتسريبات إبستين، تصاعدت المؤشرات على تحضير عسكرى أمريكى واسع فى محيط إيران، من خلال تعزيز وجود حاملات الطائرات والطائرات القتالية فى المنطقة، إضافة إلى مناورات جوية ممتدة تحت إشراف القيادة المركزية الأمريكية.
وترافق ذلك مع تصريحات شديدة اللهجة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى هدد طهران بخيارات “أسوأ بكثير” ما لم تُبدِ مرونة فى ملفها النووى.
تقارير مراكز أبحاث غربية توقعت “احتمالًا متوسطًا إلى عالٍ” لتنفيذ ضربات أمريكية محدودة ضد أهداف إيرانية خلال أسابيع، مع استبعاد سيناريو حملة جوية شاملة بسبب تعقيدات التحالفات الإقليمية ومخاطر التصعيد، فيما حذر المرشد الإيرانى من أن أى هجوم أمريكى قد يفتح الباب أمام “حرب إقليمية”.
ورصدت وسائل إعلام أوروبية سلسلة انفجارات غامضة وتحركات دبلوماسية مكثفة فى الأيام الأخيرة، فى ظل ترقب حذر لما يمكن أن يكون “ضربة لم تقع بعد” لكنها تظل حاضرة فى خطاب الطرفين.
هل تخدم تسريبات إبستين صرف الأنظار عن الضربة؟التزامن الزمنى بين فتح دفعة جديدة من ملفات إبستين وارتفاع منسوب الحديث عن ضربة أمريكية لإيران دفع محللين ونشطاء إلى التساؤل: هل تُستخدم الفضيحة كأداة لتشكيل أجندة الإعلام وصرف الأنظار عن قرار عسكرى كبير، أم أن الأمر محض مصادفة، تعكس تداخل ملفات الداخل والخارج فى واشنطن؟
بعض التحليلات الإعلامية السابقة وصفت ترامب بأنه “سيد تشتيت الانتباه”، مشيرة إلى نمط سياسي يُستدعى فيه حدث صاخب – دبلوماسى أو عسكرى – فى اللحظة نفسها التى يتصاعد فيها الاهتمام بملف إبستين، دون أن يثبت ذلك كخطة متعمدة قابلة للتوثيق.
فى المقابل، يشير خبراء فى سياسات الأمن القومى إلى أن عملية نشر ملفات إبستين تخضع لضوابط قضائية وضغوط من الكونغرس ومن جماعات حقوقية، ما يجعل التحكم الكامل فى توقيتها أمرًا بالغ الصعوبة، وإن لم يمنع ذلك النخبة السياسية والإعلامية من توظيف الحدث لصالح أجنداتها الخاصة.
من زاوية أخرى، يرى متابعون أن التركيز على نظرية “التشتيت” قد يخدم بدوره إضعاف النقاش الجدى حول مسؤولية الدولة العميقة عن السماح لشبكة إبستين بالنمو، وحول المخاطر الفعلية لأى ضربة أمريكية لإيران على استقرار المنطقة وأسعار الطاقة والأمن العالمى.
بين الفضيحة والحرب: صورة أمريكا أمام العالم
يأتى هذا التداخل بين فضيحة أخلاقية على أعلى مستوى وقرار عسكرى محتمل فى لحظة تعانى فيها صورة الولايات المتحدة من اهتزازات متكررة، سواء بسبب الحروب الممتدة فى الشرق الأوسط أو بسبب ملفات داخلية تتعلق بالعدالة والمساواة والشفافية.
فبينما تُقدم واشنطن نفسها كحامية لحقوق الإنسان ومحاسبة للمنتهكين، تكشف ملفات إبستين عن ثغرات عميقة فى منظومة العدالة، وعن قربٍ مقلق بين أصحاب السلطة ورجل أدين بالاتجار الجنسى بالقاصرات.
التحدى الأكبر للإدارة الأمريكية الحالية يتمثل فى إقناع الرأى العام الداخلى والخارجى بأن أى تحرك عسكرى ضد إيران يستند إلى اعتبارات أمنية واستراتيجية حقيقية، وليس إلى حسابات سياسية ضيقة أو محاولة للهروب من ضغوط فضيحة تتجدد فصولها مع كل دفعة جديدة من التسريبات.
فى الوقت نفسه، يظل ملف إبستين اختبارًا صعبًا لمدى قدرة النظام الأمريكى على محاسبة نفسه، بعيدًا عن حسابات الحرب والسلام، وعن لعبة “صرف الأنظار” التى قد تخدم أحيانًا القوى المتورطة أكثر مما تُنقذ سمعة المؤسسات.









