شهدت منطقة أبو النمرس بالجيزة واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في ملف علاج الإدمان بعد انكشاف ما أصبح يُعرف إعلاميًا بـ”مصحة فيلا أبو النمرس”، وهي منشأة غير مرخصة تحوّلت إلى نموذج صارخ لكيف يمكن أن ينقلب حلم التعافي إلى كابوس إنساني وقانوني معًا.
الواقعة كشفت، من جديد، حجم الفجوة بين الطلب المتزايد على خدمات علاج الإدمان وبين قدرة الدولة على ضبط سوق المصحات الخاصة التي يعمل جزء منها في الظل بعيدًا عن الرقابة والاشتراطات الصحية.
خلفية الواقعة: فيديو يهز السوشيال ميديا
البداية كانت مع انتشار مقطع فيديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيه عشرات الشبان وهم يفرون بشكل جماعي من فيلا سكنية في منطقة أبو النمرس، في مشهد أثار ذهول المارة وتساؤلات لا تنتهي حول ما يجري داخل المكان.
سرعان ما تبيّن أن الفيلا تُدار كمصحة لعلاج الإدمان بدون أي ترخيص، وأن الهروب تم بالتزامن مع اقتراب قوات الأمن من تنفيذ حملة موسعة على الشقق والفلل التي يُشتبه في استخدامها لعلاج الإدمان بعيدًا عن أعين الجهات المختصة.
وزارة الداخلية أعلنت لاحقًا أنها فحصت ملابسات الفيديو وحددت الموقع بدقة، لتؤكد أن ما جرى هو محاولة من مسؤولي المصحة غير المرخصة لصرف النزلاء وتهريبهم لحظة استشعارهم اقتراب قوات الشرطة من المكان.
البيان الرسمي أوضح أن ما تم توثيقه ليس “هروبًا من مصحة حكومية” كما رُوّج في البداية، بل من فيلا خاصة يُستغل أصحابها حاجة المدمنين وأسرهم.
سقوط مالك الفيلا وكشف شبكة غير مرخصة
مع تحرك الأجهزة الأمنية، تم ضبط مالك الفيلا وثلاثة من المشرفين على المكان، ممن كانوا يتولون إدارة المصحة المزعومة والتعامل المباشر مع النزلاء.
التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة أوضحت أن المكان يُدار دون أي ترخيص من وزارة الصحة أو موافقة من الأمانة العامة للصحة النفسية، في مخالفة صريحة للقوانين المنظمة لمزاولة هذا النوع من الأنشطة الطبي
مصادر قضائية أشارت إلى أن المتهمين يواجهون اتهامات تتعلق بإدارة منشأة علاجية بدون ترخيص، ومزاولة مهنة الطب دون سند قانوني، وتعريض حياة المرضى للخطر، وهي اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة وفق ما سبق أن أكده قانونيون في قضايا مشابهة لفيلا أبو النمرس قبل سنوات.
وتعيد هذه الوقائع إلى الأذهان قضية سابقة لنفس النمط تقريبًا، عندما داهمت الجهات المختصة فيلا أخرى بأبو النمرس استُخدمت كمصحة غير مرخصة، وعُثر بداخلها على عشرات الشباب، بعضهم موثق الأيدي ويتعرض للضرب بدعوى “التأديب”.
أبو النمرس بؤرة متكررة لمصحات غير مرخصةاسم أبو النمرس لم يعد جديدًا في تقارير وزارة الصحة والداخلية حول مراكز علاج الإدمان المخالفة؛ فخلال الأعوام الأخيرة أعلنت الصحة أكثر من مرة عن إغلاق مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان والطب النفسي في المنطقة ذاتها
حملات التفتيش المشتركة بين وزارة الصحة والإدار العامة لمكافحة المخدرات أسفرت عن إغلاق ثمانية مراكز في أبو النمرس وحدها، تبين أنها تعمل بدون تراخيص، وتفتقر لأطباء متخصصين أو غرف كشف وعناية، وبعضها يدار بواسطة متعافين سابقين من الإدمان دون تأهيل مهني.
بيانات الوزارة شددت على أن هذه المراكز لا تلتزم بسياسات مكافحة العدوى ولا معايير السلامة، وأن ما يجري داخلها لا يرتقي إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية، في وقت تُقدَّم فيه للأسر باعتبارها “مكانًا آمنًا” لإنقاذ أبنائهم من المخدرات.
ورغم قرارات الإغلاق، تُظهر قضية فيلا أبو النمرس أن نمط “مصحات بير السلم” لا يزال قادرًا على إعادة إنتاج نفسه في صورة فيلا جديدة وشعار جديد، مستفيدًا من يأس الأسر ورغبتها في حل سريع.
ضحايا بين فكي الاستغلال والوصموراء مشهد الهروب الجماعي من الفيلا، توجد حكايات عشرات الأسر التي دفعت مبالغ كبيرة على أمل أن ترى أبناءها متعافين، لتكتشف لاحقًا أنها سلمتهم لكيانات غير خاضعة لأي رقابة مهنية أو طبية.
هذا النوع من المصحات يستغل الوصم الاجتماعي المرتبط بالإدمان، فالكثير من الأسر تفضل التعامل بعيدًا عن المستشفيات الحكومية أو المراكز المعروفة، بحثًا عن السرية أو استجابة أسرع، ما يجعلهم فريسة سهلة لمن يرفع شعار “التعافي في فيلا فاخرة” دون أوراق أو تراخيص.
في المقابل، تشير تجارب مراكز علاج الإدمان المرخصة إلى نموذج مختلف كليًا، يقوم على وجود فريق طبي متخصص، وبرامج لسحب السموم وإعادة التأهيل النفسي، وبروتوكولات واضحة للتعامل مع أعراض الانسحاب، بعكس ما يجري في كثير من المصحات غير المرخصة التي تعتمد على الحبس القسري والتقييد الجسدي و”التأديب” كوسائل مزعومة للعلاج.
ويضاعف غياب الملف الطبي ونظم المتابعة من خطر تعرض المرضى لمضاعفات صحية قد تصل إلى الوفاة دون أن تتحمل المنشأة أي مسؤولية موثقة.
أسئلة مفتوحة حول الرقابة والمسؤولية
مع كل واقعة مشابهة لقضية فيلا أبو النمرس يعود السؤال نفسه: هل تكفي حملات الإغلاق الموسمية لمواجهة سوق يُقدَّر بعدة مئات من المراكز غير المرخصة على مستوى الجمهورية؟
الإجراءات الحالية تعتمد غالبًا على حملات مشتركة عقب انتشار فيديو أو شكوى، بينما يطالب متخصصون بإنشاء قواعد بيانات معلنة للمراكز المرخصة، وربط أي إعلان أو نشاط دعائي بالحصول على رقم ترخيص واضح، وتجريم إخفائه.
في الوقت ذاته، يطرح حقوقيون ضرورة تشديد العقوبات على من يزاولون نشاط علاج الإدمان بدون ترخيص لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لحياة الناس، مع تعزيز دور الإعلام في توعية الأسر بالفارق بين مركز مرخص وآخر يعمل في الظل بلا معايير واضحة.
وبينما تتواصل التحقيقات مع مالك فيلا أبو النمرس والمشرفين عليها، يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة والمجتمع هو منع تكرار المشهد ذاته في فيلا أخرى، وقطع الطريق على تجارة مربحة تُقام على أنقاض ألم إنساني اسمه الإدمان.










