شهد قطاع الاتصالات المصري خلال الشهور الماضية خطوة وُصفت بأنها «تاريخية»، مع حصول شركات المحمول الأربع العاملة في السوق على تراخيص تشغيل خدمات الجيل الخامس 5G من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، لتبدأ مصر رسميًا مرحلة جديدة من تطور البنية الرقمية وخدمات الاتصالات.
وترسخ هذه الخطوة مكانة السوق المصري كأحد أبرز الأسواق الإقليمية التي تتبنى أحدث تقنيات الاتصالات، بالتزامن مع خطط واسعة للتحول الرقمي في مختلف القطاعات.
تفاصيل التراخيص والشركات المستفيدة
حصلت كل من «فودافون مصر» و«أورنج مصر» و«إي آند مصر» (اتصالات مصر سابقًا) و«المصرية للاتصالات – وي» على تراخيص تشغيل شبكات وخدمات الجيل الخامس، بعد سلسلة من الاجتماعات والمفاوضات مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
ويبلغ إجمالي قيمة التراخيص الممنوحة للشركات الأربع نحو 675 مليون دولار، بواقع يقارب 150 مليون دولار لكل شركة، مع تجديد رخص الأجيال السابقة لمدة تصل إلى 15 عامًا، دون منح أحياز ترددية جديدة في هذه المرحلة.
وكانت الشركة المصرية للاتصالات قد سبقت منافسيها بالحصول على أول رخصة لتقديم خدمات الجيل الخامس في يناير 2024، قبل أن تحصل الشركات الثلاث الأخرى على الرخصة بالضوابط نفسها في أكتوبر من العام نفسه، ما يعني أن جميع المشغلين أصبحوا يمتلكون الآن رخص تشغيل 5G في مصر.
ووفق الاتفاق الموقع مع المشغلين، تستهدف الدولة تغطية كامل الجمهورية بخدمات تكنولوجيا الجيل الخامس خلال فترة زمنية تمتد حتى عام 2035، عبر مراحل متدرجة للتوسع الجغرافي.
بداية الإطلاق وخريطة الانتشار
تؤكد بيانات رسمية وتصريحات لمسؤولي الوزارة أن إطلاق خدمات الجيل الخامس سيكون تدريجيًا، حيث تبدأ الشركات بتشغيل الخدمة في عدد من المناطق والمحافظات ذات الأولوية الاقتصادية والاستخدام الكثيف للبيانات، مثل القاهرة الكبرى والمناطق التكنولوجية والمناطق الصناعية.
وتشير المعلومات إلى أن بعض الشركات أنهت بالفعل الاختبارات الفنية اللازمة، وأن التشغيل التجاري بدأ أو يبدأ في مدن محددة مع التوسع تباعًا وفق خطط كل مشغل واستثماراته.
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أوضح أن إطلاق الخدمة الجديدة يستهدف في المقام الأول تحسين جودة خدمات الاتصالات المتاحة للمستخدمين، ورفع سرعات الإنترنت المحمول، وتوفير بنية تحتية قادرة على استيعاب الزيادة المضطردة في استهلاك البيانات عبر التطبيقات والخدمات الرقمية.
كما شدد مسؤولوه على أن 5G لن تكون مجرد زيادة في السرعة فحسب، بل منصة متكاملة لدعم تطبيقات إنترنت الأشياء، والمدن الذكية، والتحول الصناعي الرقمي.
ماذا تقدم 5G للمستخدم والاقتصاد؟وفق ما أعلنته وزارة الاتصالات وخبراء القطاع، توفر تكنولوجيا الجيل الخامس سرعات إنترنت تفوق أضعاف ما يتيحه الجيل الرابع، مع زمن استجابة منخفض للغاية، ما يجعل التجربة اليومية لاستخدام التطبيقات الثقيلة – مثل الألعاب أونلاين، وبث الفيديو بجودة عالية جدًا، واجتماعات الفيديو – أكثر سلاسة واستقرارًا.
كما تسمح هذه التكنولوجيا بتوصيل عدد أكبر من الأجهزة في الوقت نفسه على الشبكة دون تدهور في الجودة، وهو ما يُعد حيويًا لتطبيقات إنترنت الأشياء والأجهزة الذكية في المنازل والمصانع والمدن.
اقتصاديًا، تراهن الحكومة على أن إتاحة تقنيات الجيل الخامس ستنعكس إيجابًا على مؤشرات الاقتصاد الرقمي، بما في ذلك جذب الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية، وتمكين قطاعات مثل النقل والطاقة والصناعة والخدمات الحكومية من تطبيق حلول ذكية تعتمد على الاتصال الفائق السرعة.
ويتوقع أن تساهم هذه الطفرة في تحسين ترتيب مصر في المؤشرات الدولية الخاصة بجودة وتطور البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
تصريحات رسمية: نقلة نوعية في الاتصالات
وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، أكد خلال مراسم توقيع التراخيص أن إتاحة خدمات الجيل الخامس تمثل نقلة نوعية في مسيرة تطوير قطاع الاتصالات المصري، وتُعد إحدى الركائز الأساسية لتعزيز البنية الرقمية للدولة.
وأشار إلى أن هذه الخطوة ستساهم في دعم خطط التحول الرقمي، وإتاحة خدمات مبتكرة للمواطنين والشركات، وفتح آفاق جديدة أمام استخدامات الذكاء الاصطناعي والأنظمة المتقدمة في مختلف القطاعات.
من جانبه، وصف الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إطلاق خدمات 5G بأنه «لحظة محورية» في تطوير السوق، مؤكدًا أن الجهاز عمل مع المشغلين على وضع ضوابط ومحددات تضمن تقديم خدمات متطورة مع الحفاظ على حقوق المستخدمين ومبادئ المنافسة العادلة.
كما أبدى رؤساء الشركات الأربع سعادتهم بالحصول على الرخصة، مؤكدين التزامهم بضخ استثمارات جديدة لتحديث الشبكات وتوسيع التغطية وتقديم خدمات مبتكرة تواكب التغيرات العالمية في مجال الاتصالات.
تحديات وتطلعات المرحلة المقبلة
رغم الزخم الإيجابي المحيط بإطلاق خدمات الجيل الخامس، يطرح خبراء الاتصالات عدة تساؤلات حول سرعة الانتشار الفعلي للخدمة خارج المدن الرئيسية، وقدرة شريحة واسعة من المستخدمين على اقتناء هواتف وأجهزة تدعم 5G في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
كما يشيرون إلى تحديات تتعلق بتكلفة تحديث البنية التحتية للشبكات، واحتياج المشغلين لهيكل أسعار يضمن استرداد الاستثمارات الضخمة دون إرهاق المستهلك النهائي.
في المقابل، تراهن الدولة والشركات على ارتفاع الطلب التدريجي على الخدمات فائقة السرعة، وظهور نماذج أعمال جديدة تعتمد على 5G، مثل حلول المدن الذكية، والمصانع المتصلة، وخدمات الواقع المعزز والافتراضي في التعليم والترفيه.
ومع اكتمال منظومة التراخيص، يبدأ العد التنازلي الحقيقي لانتقال السوق المصري من مرحلة الحديث عن الجيل الخامس إلى مرحلة الاستفادة الفعلية منه في حياة الأفراد وأعمال الشركات، في خطوة يُنتظر أن تعيد رسم خريطة الاتصالات والاقتصاد الرقمي في مصر خلال السنوات القادمة.










