لطيفة الدروبي: سيدة أولى من الجبال إلى القصور… هل تُغسِل وجه السلطة الجديدة أم تعيد إنتاج الماضي؟
تعيش لطيفة الدروبي، زوجة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، مرحلة تحوّل من اسمٍ متداول في الأخبار إلى وجهٍ حاضر بقوة في المشهد العام السوري، وسط جدل متصاعد حول دلالات ظهورها وحدود دورها السياسي والاجتماعي.
ففي كل إطلالة جديدة، تتحول عقيلة الرئيس إلى مادة نقاش بين من يراها رمزًا لمرحلة ما بعد الأسد، ومن يتهم فريق الشرع بصناعة صورة «سيدة أولى محافظة» لتلميع السلطة الجديدة داخليًا وخارجيًا.
هذا الإرث العائلي سياسيًا واجتماعيًا يُستخدم اليوم في تقديمها كوجه «أرستقراطي محافظ» يُجسّد ربط الشرع بالبيئات السنية الوسطى خارج دمشق، بعيدًا عن صورة الفصائل المسلحة التي جاءت به إلى واجهة السلطة
وتحمل لطيفة شهادة الماجستير في اللغة أو الأدب العربي، ما يسمح بإبرازها كـ«مثقفة مت religio‑محافظة» في الخطاب الرسمي والإعلامي.
زواجها من أحمد الشرع يعود إلى سنوات ما قبل صعوده السياسي العلني، وتذكر تقارير أنها عاشت معه حياة مطاردة وتنقّل بين بيوت عدة ومناطق وعرة خلال سنوات الحرب، بما في ذلك الجبال، قبل وصوله إلى سدة الحكم خلال المرحلة الانتقالية.
هذه السردية الإنسانية – الانتقال من المغارات والمداجن والبيوت المؤقتة إلى القصور الرسمية – تُستثمر اليوم في رسم صورة عائلة حاكمة «ذاقت مرارة الحرب» وتفهم معاناة السوريين، في محاولة لصناعة تعاطف شعبي حول الزوجين.
من مكة إلى أنطاليا وإسطنبول: مسار صناعة الصورة
أول ظهور علني لافت للانتباه لطيفة الدروبي كان خلال زيارة أحمد الشرع إلى السعودية لأداء العمرة، حيث ظهرت إلى جانبه باللباس الشرعي، في مشهد حرصت عليه وسائل الإعلام بوصفه رسالة مزدوجة للدّاخل والخارج بأن الرئيس الجديد «متدين لكنه منفتح».
ثم تكرر حضورها في زيارة رسمية إلى تركيا، حيث التقت بالسيدة الأولى أمينة أردوغان، في لقاء ركزت تغطيته على ملفات «تمكين المرأة والمساعدات الإنسانية»، وهو ما اعتبره مراقبون بداية توظيفها كقناة اتصال ناعمة مع العواصم الإقليمية.
إلى جانب ذلك، وثقت تقارير وصور ظهورها في قصر الشرع في الأعياد، وفي جولة بصحبة زوجها في حديقة تشرين بدمشق وسط حشود من المواطنين، في مشاهد أُريد لها أن تُظهر رئيسًا «يعيش بين الناس» وزوجة «قريبة من الشارع»
كما رافقته في منتديات دولية، منها منتدى في أنطاليا، حيث جرى تقديم حضورها بوصفه جزءًا من «رسائل اجتماعية وثقافية» تتعلق بالمرأة السورية بعد الحرب، أكثر منه دورًا بروتوكوليًا شكليًا.
بين الشعبية المصنوعة وأسئلة الدور السياسي
رغم أن الخطاب الرسمي يؤكد أن لطيفة الدروبي لا تمارس دورًا سياسيًا مباشرًا، وأن نشاطها يقتصر على مرافقة زوجها في فعاليات دبلوماسية وحضور لقاءات نسائية وخيرية، فإن تمدد حضورها في الإعلام يثير أسئلة حول حدود نفوذها داخل دوائر القرار.
فالمقالات التحليلية بدأت تتحدث عنها كـ«رمز للسيدة الأولى في سوريا الجديدة»، وتربط بين مكانتها العائلية ونظرة الشرع إلى إعادة تشكيل النخبة المحيطة بالقصر.
في المقابل، يدور جدل حاد على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ ينتقد ناشطون التركيز المتزايد على إطلالاتها وملابسها في بلد لا تزال فيه ملفات المعتقلين والانهيار الاقتصادي والدمار العمراني بلا حلول حقيقية
ويذكّر هؤلاء بتجارب سابقة لسيدات أولى في المنطقة لعبن أدوارًا في هندسة التحالفات والمحسوبيات، محذرين من أن تتحول لطيفة إلى بوابة لنفوذ عائلي – مناطقي جديد، خاصة مع الحديث عن صلات قرابة تربطها بشخصيات تشغل مناصب إدارية ومحافظين في سوريا ما بعد الأسد.
حقيقة الزوجة الوحيدة وسط شائعات التعددمن القضايا الأكثر إثارة التي صاحبت صعود الشرع إلى السلطة الشائعات التي انتشرت عن تعدد زوجاته وأبنائه، والتي استثمرها خصومه للتشكيك في صورته المحافظة
غير أن الرئيس نفسه خرج في أكثر من لقاء ليوضح أن لطيفة هي زوجته الوحيدة، مؤكدًا أن لديه ثلاثة أبناء فقط، من دون الكشف عن تفاصيل أكثر تتعلق بأسمائهم أو أعمارهم، بحجة حمايتهم من الأضواء والتهديدات الأمنية.
هذا النفي الرسمي أعاد ترتيب السردية الإعلامية حول لطيفة الدروبي، حيث باتت تُقدّم كـ«عمود البيت الرئاسي» و«شريكة رحلة الخطر»، فيما جرى إهمال غالبية التسريبات السابقة التي تحدثت عن زيجات سرية أو علاقات عائلية متشعبة.
لكن معارضين يرون أن التحكم في المعلومات المتعلقة بحياة الأسرة الأولى، بما في ذلك غياب أي صور واضحة للأبناء أو تفاصيل عن حياتهم، يعكس رغبة في استخدام الغموض كأداة إدارة صورة، لا كإجراء أمني فقط.
بين قدسية الأسرة ورسائل السلطة
تحرص التغطيات المؤيدة للشرع على تقديم لطيفة الدروبي كنموذج «للمرأة السورية المحافظة المكافحة»؛ زوجة لم تغادر البلاد رغم الحرب، وأم تربي أبناءها في الداخل، ومتدينة ترتدي الحجاب دون مبالغة في المظهر، وتدعم زوجها من خلف الكواليس.
لكن قراءةً معارضة ترى أن تضخيم هذه الصورة يجري في سياق بناء شرعية أخلاقية لسلطة انتقالية ما زالت موضع انقسام، عبر خطاب الأسرة والقيم والهوية أكثر من خطاب البرامج السياسية والاقتصادية.
بهذا المعنى، تصبح لطيفة الدروبي أكثر من مجرد زوجة رئيس؛ إنها ورقة ناعمة في معادلة قاسية، تحاول من خلالها السلطة الجديدة الجمع بين جاذبية السيدة الأولى وصورة الأسرة المتدينة المتجذرة في الريف السوري، مع الحفاظ على هامش إنكار أي دور سياسي مباشر لها كلما تصاعد الجدل حول نفوذ القصر وحدود المحاسبة الشعبية.










