تستعد العاصمة الإيرانية طهران، غدًا الأحد، لاستضافة حفل تأبين وتكريم خاص لروح الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، في فعالية وُصفت بأنها تحمل أبعادًا علمية ورمزية وسياسية في آن واحد.
ويأتي الحفل بعد أشهر قليلة من وفاة العالم الأزهري البارز في أكتوبر 2025، في وقت لا تزال فيه سيرته العلمية والدعوية محور حديث في الأوساط الدينية داخل مصر وخارجها.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، يُقام الحفل في «الجامعة الدولية للدراسات الإسلامية» بالعاصمة طهران، بحضور شخصيات دينية وأكاديمية بارزة، على رأسها رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران محمد ضياء، ورئيس جامعة المذاهب الإسلامية الدولية محمد هادي فلاح زاده، وعدد من العلماء الإيرانيين، من بينهم آية الله الشيخ أحمد مبلغي، والشيخ محمد حسن زماني.
وتُبرز قائمة المتحدثين حرص الجانب الإيراني على توجيه رسائل مباشرة تتعلق بقضايا التقريب بين المذاهب وتعزيز التعاون العلمي مع الأزهر، وفق ما أشارت إليه التقارير المنشورة.
الجانب اللافت في الحفل أنه يأتي تحت عنوان «تكريم رئيس جامعة الأزهر الأسبق وآثاره العلمية»، في إشارة إلى التركيز على الإنتاج الفكري والدعوي للدكتور أحمد عمر هاشم، الذي عُرف كأحد أبرز الأصوات المدافعة عن منهج الوسطية ومقاومة الغلو والتشدد.
فقد قدم الراحل خلال مسيرته مئات الخطب والدروس والبرامج الدينية، وشارك في إشراف ومناقشة أكثر من مائتي رسالة ماجستير ودكتوراه، ما جعله مرجعًا علميًا لدى شرائح واسعة من طلاب العلم في العالم الإسلامي.
ولد الدكتور أحمد عمر هاشم في السادس من فبراير 1941، وتخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، قبل أن يتدرج في المناصب العلمية حتى تولى رئاسة جامعة الأزهر، إلى جانب عضويته في مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء.
وخلال مسيرته، عُرف بخطابه الهادئ وحرصه على الجمع بين الأصالة والتجديد، كما شارك ممثلًا للأزهر في مؤتمرات دولية عديدة في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي.
وقد نعاه شيخ الأزهر أحمد الطيب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في إشارات رسمية إلى مكانته كأحد رموز الدعوة والحديث في مصر المعاصرة.
إعلان طهران استضافة حفل التأبين حمل في طياته أيضًا أبعادًا سياسية تتجاوز إطار الاحتفاء بشخصية علمية، إذ أشارت وكالة «إرنا» إلى أن الحدث يندرج في سياق «تعزيز العلاقات العلمية بين إيران والأزهر»، رغم أن العلاقات الرسمية بين الجانبين تمر بحساسية تاريخية تتعلق بخلافات مذهبية وسياسية ممتدة.
ويرى مراقبون أن اختيار شخصية أزهرية وسطية ومحترمة في الوجدان المصري والعربي، مثل أحمد عمر هاشم، يمنح طهران فرصة لإرسال إشارات ناعمة باتجاه المؤسسة السنية الأكبر في العالم الإسلامي.
في المقابل، يفتح الحفل باب التساؤلات داخل الأوساط المتابعة حول موقف القاهرة الرسمي من خطوة التكريم الإيرانية، خصوصًا أن إيران تستضيف حدثًا دينيًا رمزيًا لعالم أزهري كبير في ظل غياب فعاليات مماثلة بالزخم نفسه خارج الإطار المصري التقليدي.
كما يطرح البعض سؤالًا حول ما إذا كان توظيف سيرة أحمد عمر هاشم في عاصمة ذات ثقل مذهبي وسياسي كطهران، قد يتحول إلى جزء من معركة النفوذ الرمزي بين إيران والدول العربية السنّية، أم أنه مجرد مبادرة ثقافية لا تتجاوز حدود التأبين العلمي.
ويرى آخرون أن الحفل يمكن قراءته من زاوية مختلفة، باعتباره اعترافًا إيرانيًا بقيمة الخطاب الأزهري الوسطي الذي مثله الراحل، ومناسبة لإبراز المشتركات بين المدرستين السنية والشيعية في مواجهة التطرف، خاصة مع تأكيد الحوزات العلمية في إيران أكثر من مرة على أهمية الحوار والوحدة الإسلامية في مواجهة الأزمات.
وتشير الرسائل السابقة الصادرة عن الحوزات في قم إلى حرصها على إظهار علماء الدين هناك شركاء في تحمل مسؤولية قضايا الأمة، وهو ما قد توظفه طهران في تقديم صورة أكثر اعتدالًا لسياساتها الدينية.
على المستوى الشعبي، يحظى اسم الدكتور أحمد عمر هاشم بحضور خاص في الذاكرة المصرية، حيث ارتبط لسنوات ببرامج تلفزيونية وخطب مسجعية تعالج قضايا الناس اليومية بلغة قريبة وبسيطة.
وتظهر مقاطع وداعه وصور جنازته تفاعلًا إنسانيًا لافتًا من طلابه ومحبيه، الذين رأوا فيه نموذجًا للعالم الذي جمع بين العلم والتواضع والقدرة على مخاطبة مختلف الفئات.
وبين من ينظر إلى حفل التأبين في طهران باعتباره تكريمًا مستحقًا لعالم مصري كبير عبر الحدود، ومن يراه محاولة سياسية للاقتراب من الأزهر وعمق الشارع السني، يبقى المؤكد أن اسم أحمد عمر هاشم يواصل بعد رحيله لعب دور «الجسر» بين عواصم ومذاهب وتيارات، بما يحمله من رصيد علمي وروحي يصعب تجاوزه في أي نقاش حول صورة الإسلام الوسطي في المنطقة.










