كواليس التمويل الأمريكي الخفي ودور المؤسسات الدولية في أخطر أزمة تهدد الأمن المائي لمصر والسودان، وتفاصيل تتجاوز الرواية الرسمية للمشروع
برلين- المنشر_الاخباري
عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة الجدل الإقليمي، بعد تضارب لافت في التصريحات بين واشنطن وأديس أبابا حول مصادر تمويل المشروع، ما أعاد إلى الأذهان تساؤلات قديمة حول الدور الأمريكي الحقيقي في واحدة من أخطر أزمات الأمن المائي في المنطقة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد صرّح في وقت سابق بأن الولايات المتحدة «موّلت السد بغباء»، في إشارة أثارت ردود فعل واسعة، قبل أن يخرج رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لينفي بشكل قاطع حصول بلاده على أي تمويل أجنبي مباشر لبناء سد النهضة.
وخلال خطاب أمام البرلمان الإثيوبي، أكد آبي أحمد أن المشروع جرى تمويله بالكامل عبر الموارد الوطنية، معتمدًا على السندات الحكومية وتبرعات المواطنين، معتبرًا السد «مشروعًا سياديًا خالصًا».
لكن هذا النفي الإثيوبي لم يُغلق باب الجدل، خاصة في ظل تحليلات وخبرات مصرية تشير إلى أن الدعم الأمريكي لم يكن بالضرورة ماليًا مباشرًا، بل جاء في أشكال أخرى أكثر تأثيرًا.
الدكتور محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، أوضح أن إثيوبيا حصلت على دعم أمريكي غير مباشر منذ المراحل الأولى للمشروع، تمثل في مساعدات فنية واستشارية وتسهيلات عبر مؤسسات مالية دولية، ضمن استراتيجية أوسع تستهدف إعادة رسم توازنات المياه في حوض النيل.
وأشار علام إلى أن الولايات المتحدة تبنّت منذ عقود رؤية تقوم على تشجيع إقامة سدود في دول المنبع، بما يخلق حالة من الضغط المائي والسياسي على دول المصب، وفي مقدمتها مصر، ويدفع نحو فرض أنماط جديدة من الاعتماد المتبادل في إدارة الموارد المائية.
وفي المقابل، شدد الوزير السابق على أن القاهرة تعاملت مع الأزمة بدرجة عالية من الانضباط الدبلوماسي، متمسكة بالقانون الدولي وبمبدأ التفاوض كخيار وحيد لحماية حقوقها التاريخية في مياه النيل.
سد النهضة، الذي تُقدَّر تكلفته بنحو 4 مليارات دولار، يُعد أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، ويقع على النيل الأزرق بالقرب من الحدود الإثيوبية-السودانية، ما يجعله محورًا لصراع سياسي واستراتيجي يتجاوز كونه مشروعًا تنمويًا.
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن قلق متصاعد داخل الأوساط المصرية إزاء عودة الوساطة الأمريكية في ملف السد، محذّرة من أن هذه العودة قد لا تكون بلا مقابل.
وذكرت الصحيفة أن تصريحات ترامب الأخيرة، ودعوته إلى قمة تجمع قادة مصر وإثيوبيا على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فتحت باب التساؤلات حول طبيعة الصفقة التي قد تسعى واشنطن إلى تسويقها، والتكلفة السياسية أو الاقتصادية المحتملة على القاهرة.
وبحسب «معاريف»، تتركز المخاوف المصرية حول مطلبين أمريكيين محتملين؛ الأول يتعلق بمقترحات لضخ مياه النيل مستقبلًا إلى قطاع غزة وإسرائيل، وهو سيناريو تعتبره القاهرة غير واقعي ويمس الأمن القومي بشكل مباشر. أما الثاني، فيدور حول منح السفن الأمريكية حق المرور المجاني عبر قناة السويس، ما قد يهدد أحد أهم مصادر الدخل الاستراتيجي للدولة المصرية.
وأعادت الصحيفة التذكير بأن ترامب كان قد جمّد خلال ولايته الأولى مساعدات أمريكية لإثيوبيا بقيمة 272 مليون دولار بسبب تعثر المفاوضات، قبل أن يُلغى القرار لاحقًا في عهد إدارة بايدن.
وبينما تُبدي القاهرة ترحيبًا حذرًا بأي جهود دولية لحل الأزمة، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل تعود واشنطن إلى ملف سد النهضة كوسيط نزيه، أم كلاعب يسعى إلى فرض تسويات تُدفع أثمانها من المصالح الاستراتيجية المصرية؟








