قرارات حظر على الورق… من سمح بعبور الشاحنات المحمّلة بثروة مصر الصامتة؟
تكشّفت خلال الأيام الماضية تفاصيل واحدة من أخطر قضايا نهب الثروات الطبيعية فى مصر، بعد الإعلان عن سقوط شبكة لتهريب خام الرمال البيضاء عالية النقاء عبر ميناء الإسكندرية، فى جريمة وُصفت بأنها اعتداء مباشر على “الذهب الأبيض” المصرى الذى تراهن عليه الدولة فى صناعة الزجاج والرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات.
كنز اسمه الرمال البيضاء
تملك مصر احتياطياً استراتيجياً ضخماً من خام الرمال البيضاء (السيليكا)، يتجاوز مئات الملايين من الأطنان، يتمركز فى سيناء ومناطق أخرى، ويُعد من أنقى الأنواع عالميًا وركيزة لصناعات الزجاج المتطور والشرائح الإلكترونية والطاقة الشمسية.
هذا الخام كان يُصدَّر لسنوات فى صورته الأولية بأسعار زهيدة لا تتجاوز نحو 20 دولارًا للطن، بينما يُعاد استيراده فى صورة زجاج ومنتجات إلكترونية بأسعار تصل إلى آلاف الدولارات، وهو ما دفع الدولة إلى إصدار قرارات متتالية بوقف التصدير الخام وتعظيم التصنيع المحلى.
فى ضوء هذه القرارات، تحوّلت الرمال البيضاء إلى ملف سيادى حساس، ترتبط به خطط مصر لدخول سباق الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، واستقطاب شركات تكنولوجية عالمية للاستثمار محليًا بدلًا من استمرار نزيف الثروة الخام إلى الخارج.
سيناريو الجريمة: من الميناء إلى مصانع العالم
على الرغم من حظر تصدير الرمال البيضاء، كشفت هيئة الرقابة الإدارية عن شبكة فساد داخل جمارك ميناء الإسكندرية، تضم 6 من المسؤولين، تورطوا فى تلقي رشاوى مالية مقابل تمرير شحنات من هذا الخام الاستراتيجى إلى الخارج.
التحقيقات بيّنت أن المتهمين تواطؤوا مع مالك شركة نقل وشحن، من خلال إصدار تصاريح “نقل محلى” صورية لشحنات يُفترض أنها مواد بناء عادية، بينما كانت الشاحنات تتجه مباشرة إلى الميناء حيث يتم قيد الحمولة فى السجلات الجمركية تحت مسميات مضللة مثل “رمال زجاجية عادية” أو “أتربة محجرية”.
هذا التلاعب سمح بتجاوز قرار الحظر، وفتح الباب أمام تهريب رمال سيليكا فائقة النقاء إلى مصانع فى دول شرق آسيا وأوروبا، تفتقر إلى هذا المستوى من النقاء فى رمالها المحلية، ما يعنى أن القيمة الفعلية لما يخرج من مصر تتضاعف أضعافاً مضاعفة بمجرد دخوله خطوط الإنتاج هناك.
تقارير استقصائية تحدثت عن دور مكاتب استيراد وتصدير وسيطة استخدمت كغطاء لنقل الشحنات إلى الخارج، وربطت بين هذه الشحنات وبين مصانع زجاج متطور وشرائح إلكترونية فى أسواق آسيوية وأوروبية تستفيد من الفارق الهائل بين سعر الخام وسعر المنتج النهائى.
ضبط الشبكة وأحكام رادعة ورسائل سياسية
التحقيقات التى قادتها الرقابة الإدارية، بالتنسيق مع الجهات القضائية والمالية، انتهت إلى توثيق وقائع الرشوة والتسهيل المتعمد لتهريب خام ممنوع التصدير، ليتم القبض على المتهمين وإحالتهم للمحاكمة بتهم تتعلق بالرشوة والإضرار العمدى بالمال العام.
المحكمة المختصة أصدرت أحكامًا مشددة بالسجن لمدد تتراوح بين 10 و15 عامًا بحق المسؤولين المتورطين، فى رسالة أرادت الدولة من خلالها التأكيد على أن العبث بالثروات الطبيعية لن يمر دون عقاب رادع.
هذه القضية أعادت ملف الرمال البيضاء إلى واجهة النقاش العام، ليس باعتباره حادثة فساد معزولة، بل نموذجًا على الكيفية التى يمكن عبرها أن تتحول ثروة استراتيجية إلى “جريمة اقتصادية مكتملة الأركان” إذا التقت شهية الربح السريع مع ثغرات الرقابة وحدود الشفافية فى إدارة الموارد.
تقارير وتحليلات اقتصادية حذرت من أن استمرار تهريب حتى نسب محدودة من هذا الخام يمكن أن يعطل خطط التصنيع المحلى لعقود، ويُبقى مصر حبيسة دور المورّد الرخيص لمادة أولية تُعاد إليها لاحقًا فى صورة تكنولوجيا غالية الثمن.
صراع بين نموذجين: التهريب أم التصنيع؟
خبراء الصناعة والثروات المعدنية شددوا على أن قرار وقف تصدير الرمال البيضاء لم يكن إجراءً بيروقراطيًا عابرًا، بل جزءًا من رؤية متكاملة لمنع تكرار سيناريو الرخام والجرانيت، حين استولت شركات أجنبية على النصيب الأكبر من القيمة المضافة عبر استيراد الخام من مصر وتصنيعه فى الخارج وإعادة تصديره بأسعار فلكية.
فى حالة الرمال البيضاء، تصل القيمة السوقية للطن بعد دخوله صناعات الإلكترونيات والرقائق إلى عشرات وربما مئات الآلاف من الدولارات، مقارنة بسعره كخام، ما يعنى أن أى شحنة مُسرّبة تعادل نزيفًا مضاعفًا فى فرص التشغيل والتكنولوجيا والعملات الصعبة.
فى المقابل، تشير أصوات معارضة وتقارير صحفية نقدية إلى أن تضارب الاختصاص بين الوزارات والهيئات، وتبادلها الاتهامات بشأن من يملك قرار الترخيص بالتصدير أو منعه، خلق بيئة يمكن أن يتسلل عبرها الفساد والتهريب.
هذه الأصوات تدعو إلى إعلان خريطة طريق شفافة لاستغلال الرمال البيضاء، توضح حجم الاحتياطى، والجهات المسؤولة، وخطط التصنيع، والعقود المبرمة مع شركات محلية أو أجنبية، حتى لا يتحول الملف إلى ساحة مفتوحة للشائعات أو لتغوّل مراكز قوى اقتصادية بعينها.










