أقرت إسرائيل في فبراير 2026 كشف هوية «السجين X» الجديد بعد أكثر من 4 سنوات من وفاته الغامضة داخل زنزانة عسكرية، ليتبين أنه ضابط شاب في وحدة استخباراتية حساسة يدعى النقيب تومر إيغس، في قضية أعادت فتح ملف السرية والتعتيم داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
كشف الهوية بعد سنوات من التعتيم
في 7 فبراير 2026 سمحت محكمة عسكرية إسرائيلية برفع الحظر عن هوية ضابط عُرف إعلاميًا لسنوات بلقب «السجين X»، ليُعلن رسميًا أن المقصود هو النقيب تومر إيغس، المحتجز سابقًا في سجن «نفيه تسيدك» العسكري شديد السرية.
هذا الكشف جاء بعد مسار طويل من أوامر منع النشر والتعتيم الكامل على تفاصيل القضية، بما في ذلك اسم الضابط وطبيعة التهم الموجهة إليه وظروف احتجازه ووفاته.
إيغس، المولود في حيفا في 15 أكتوبر 1996، توفي في 17 مايو 2021 داخل السجن، لكن اسمه ظل محجوبًا عن الإعلام والرأي العام طوال تلك الفترة، في حين استُخدم لقب «السجين X» في تسريبات محدودة وملفّات حقوقية تحدثت عن معتقل سري توفي بظروف غامضة.
القرار الجديد بنشر الاسم اعتُبر تراجعًا جزئيًا عن سياسة الصمت، دون أن يعني كشفًا كاملًا لكل ما جرى داخل الزنزانة المغلقة.
من وحدة 8200 إلى زنزانة معزولة
أوضحت وسائل إعلام إسرائيلية أن تومر إيغس كان من «الكوادر الواعدة» في مجال الحاسوب والاستخبارات، إذ حصل على درجة البكالوريوس في علوم الحاسوب من جامعة حيفا وخدم ضابطًا في وحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، وهي من أكثر الوحدات سرية وتأثيرًا في المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
هذه الخلفية التقنية والاستخباراتية عززت الطابع الحساس لقضيته، وربطت اسمه مباشرة بعالم العمليات السرية والحرب السيبرانية.
تم اعتقال إيغس في سبتمبر 2020 للاشتباه في تورطه في «مخالفات أمنية خطيرة» على صلة بتعريض أمن الدولة للخطر، وفق ما نقلته تقارير استندت إلى مصادر عسكرية وقضائية إسرائيلية.
خضع الضابط لتحقيقات مكثفة من قبل جهاز الأمن العام «الشاباك»، قبل أن يُنقل إلى سجن عسكري خاص ويُحتجز في ظروف عزلة ورقابة مشددة امتدت لنحو 10 أشهر حتى وفاته.
ملابسات الوفاة وتقرير الإخفاقات
رحيل «السجين X» داخل زنزانته في مايو 2021 ظل محاطًا بغموض كبير، إذ لم تُحسم حتى اليوم طبيعة الوفاة، بين سيناريو الانتحار والوفاة الناتجة عن إهمال أو أسباب صحية لم تُعالج في الوقت المناسب.
في فبراير 2025 أنهت المدعية العسكرية العامة السابقة يفعات تومر–يروشالمي رأيها القانوني النهائي حول القضية، لتخلص إلى أن وفاة الضابط كانت نتيجة «سلسلة من الإخفاقات العميقة وسلوك مهمل من قبل عدد من المسؤولين، إضافة إلى متابعة طبية غير كافية».
بحسب ما نُشر من مقتطفات التقرير، فإن المنظومة العسكرية أُدينت بمستوى من التقصير في مراقبة حالة السجين X الصحية والنفسية، وعدم توفير عناية طبية ملائمة لحالته، رغم علم الجهات المسؤولة بوجود مشكلة صحية تحتاج إلى متابعة.
في المقابل، لم تجزم النيابة العسكرية بأن الضابط أقدم على الانتحار، مؤكدة أن تقارير الطب الشرعي وخبراء النفس لم تجد مؤشرات سلوكية واضحة تسبق الوفاة يمكن أن تُصنفه كمحاولة انتحار مؤكدة.
أبعاد أمنية وسياسية أوسع
قضية السجين X 2026 لا تُقرأ فقط في إطار حادثة فردية، بل تعيد إلى الأذهان ملفات سابقة عن معتقلين سريين في إسرائيل تم احتجازهم تحت هويات وهمية وبعيدًا عن أي رقابة إعلامية أو حقوقية، مثل قضية عميل الموساد الأسترالي بن زيغير التي كُشف عنها قبل أكثر من عقد.
في الحالتين، اعتمدت السلطات سياسة التعتيم الشديد ثم كشف جزئي للوقائع تحت ضغط الإعلام والقضاء والجهات الحقوقية، ما يسلط الضوء على نمط متكرر في التعامل مع ما يسمى «السجناء ذوي الحساسية الأمنية العالية».
الجدل الدائر حاليًا داخل إسرائيل يتمحور حول سؤالين رئيسيين: هل كانت ظروف احتجاز إيغس متوافقة مع المعايير القانونية والإنسانية، وهل أدت الإخفاقات التي أشار إليها التقرير إلى وفاته بشكل مباشر؟
إلى جانب ذلك، تثار تساؤلات حول طبيعة «المخالفات الأمنية» التي اتُهم بها، وما إذا كانت تتعلق بتسريب معلومات حساسة أو محاولة تواصل غير مصرح بها أو صراع داخلي مع المؤسسة الأمنية نفسها، إلا أن هذه التفاصيل ما تزال خاضعة لحظر نشر جزئي.
ردود الفعل واحتمالات التصعيد
إعلان هوية السجين X أحدث صدى واسعًا في الإعلام العبري والدولي، مع مطالب من منظمات حقوقية ومحامين سابقين في قضايا مشابهة بنشر نسخة موسعة من تقرير التحقيق وتوضيح المسؤوليات الفردية والمؤسسية عن الإخفاقات التي أودت بحياته.
بعض التحليلات اعتبرت أن الكشف المتأخر عن الاسم ومحاولة تحميل الوفاة لـ«سلسلة إخفاقات» وليس لقرار متعمد، يأتي في إطار سعي المؤسسة العسكرية لتقليل الكلفة السياسية والحقوقية للقضية.
حتى الآن، لم يُعلن عن فتح تحقيق جنائي جديد ضد مسؤولين بعينهم، لكن الضغط الإعلامي المتصاعد والاهتمام الدولي بتاريخ «السجناء السريين» قد يدفعان باتجاه خطوات إضافية، سواء بتوسيع نطاق الشفافية أو بمراجعة بروتوكولات الاحتجاز في القضايا ذات الحساسية الأمنية القصوى.
وبين ما كُشف وما بقي طي السرية، تبدو قضية السجين X في إسرائيل عام 2026 فصلًا جديدًا في صراع متواصل بين مقتضيات الأمن القومي وحدود المساءلة والشفافية داخل واحدة من أكثر المنظومات الاستخباراتية انغلاقًا في المنطقة.










