سجّل سعر الدولار فى مصر اليوم الأحد ٨ فبراير ٢٠٢٦ استقرارًا ملحوظًا أمام الجنيه المصرى داخل الجهاز المصرفى، ليستمر تداوله تحت سقف ٤٨ جنيهًا للشراء والبيع فى أغلب البنوك، فى امتداد لحالة الهدوء التى تسيطر على سوق الصرف منذ مطلع الشهر.
ويأتى هذا الاستقرار بعد موجة تحركات محدودة خلال الأيام الماضية رفعت سعر العملة الأمريكية ببضعة قروش، قبل أن تستقر على مستويات قريبة من ٤٧ جنيهًا للدولار الواحد.
سعر الدولار فى البنك المركزى والبنوك الكبرى
ووفقًا لآخر بيانات معلنة، ثبت متوسط سعر صرف الدولار الرسمى فى البنك المركزى المصرى عند نحو ٤٦٫٨٩ جنيه للشراء و٤٧٫٠٢–٤٧٫٠٣ جنيه للبيع، وهو المستوى الذى تدور حوله الأسعار فى بقية البنوك العاملة فى السوق.
وفى البنك الأهلى المصرى، أكبر البنوك الحكومية، استقر الدولار عند ٤٦٫٩١ جنيه للشراء و٤٧٫٠١ جنيه للبيع، وهو نفس السعر تقريبًا المسجل فى بنك مصر وعدد من البنوك التجارية الكبرى.
كما أظهرت شاشات التداول ثبات السعر فى البنك التجارى الدولى CIB عند نحو ٤٦٫٩١ جنيه للشراء و٤٧٫٠١ جنيه للبيع، بينما تراوحت الأسعار فى بنوك أخرى بفروق لا تتجاوز عدة قروش صعودًا أو هبوطًا، مثل بنك الإسكندرية الذى سجل قرابة ٤٦٫٩٠ جنيه للشراء و٤٧٫٠٠ جنيه للبيع، ومصرف أبوظبى الإسلامى الذى تحرك السعر لديه عند حوالى ٤٦٫٩٥ جنيه للشراء و٤٧٫٠٥ جنيه للبيع.
هذه الفروق الطفيفة تعكس إلى حد كبير حالة تقارب شبه كامل فى مستويات التسعير الرسمية داخل البنوك، بعد فترة شهدت فجوات أوسع بين بعض المؤسسات.
استمرار الاستقرار منذ نهاية الأسبوع الماضى
بيانات أمس السبت ٧ فبراير ٢٠٢٦ تشير إلى أن الأسعار الحالية ليست مفاجِئة، إذ حافظ الدولار على استقراره فى العطلة الأسبوعية للبنوك عند متوسط ٤٦٫٨٩ جنيه للشراء و٤٧٫٠٢–٤٧٫٠٣ جنيه للبيع فى البنك المركزى، مع تكرار مستوى ٤٦٫٩١ للشراء و٤٧٫٠١ للبيع فى عدد كبير من البنوك العامة والخاصة.
هذا الامتداد للاستقرار من نهاية الأسبوع إلى بداية تعاملات اليوم الأحد يعزز انطباعًا عامًا بأن السوق دخلت مرحلة من «التحركات المحسوبة» بعد فترة من الارتفاعات المتتالية خلال الشهور الماضية.
ما وراء الأرقام… سياسات نقدية وتوقعات دولية
خلف هذا الهدوء النسبى تقف قرارات وسياسات نقدية محورية، من بينها اتجاه البنك المركزى لتوسيع اعتماد آليات السوق فى تحديد سعر الصرف، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمى وسعر السوق الموازية، وهو ما ساعد فى تجفيف جزء من الطلب المضارب على الدولار.
وتشير تقارير بنوك استثمار دولية إلى أن تحسن تدفقات النقد الأجنبى، وتراجع الضغوط على ميزان المدفوعات، أسهما فى دعم قدرة الجنيه على الصمود داخل نطاق محدد دون انزلاق حاد جديد.
بنك «ستاندرد تشارترد» الدولى عدّل مؤخرًا توقعاته لمسار الدولار فى مصر، ليرجّح تحركه خلال الربع الأول من ٢٠٢٦ حول متوسط ٤٧٫٥ جنيه، مع إمكانية استقراره قرب ٤٩ جنيهًا بنهاية العام، فى سيناريو أقل تشددًا من تقديرات سابقة كانت ترجّح مستويات أعلى.
وفى الاتجاه نفسه، رأت مؤسسة بحثية أخرى أن نطاق ٤٦٫٥ – ٤٧٫٥ جنيه قد يكون هو الإطار المرجعى لتحركات العملة الخضراء فى النصف الأول من العام الحالى، ما لم تطرأ صدمات خارجية كبيرة على أسواق المال العالمية أو أسعار الطاقة.
علاقة سعر الصرف بأسعار الفائدة والتضخم
قراءة أوسع للمشهد المالى داخليًا توضح أن ملف سعر الصرف يرتبط مباشرة بسياسة أسعار الفائدة التى يتبعها البنك المركزى، حيث يترقب السوق قرارات متدرجة بشأن خفض الفائدة مع تراجع متوقع فى معدلات التضخم خلال النصف الأول من ٢٠٢٦.
وتذهب تحليلات اقتصادية إلى أن المرحلة الحالية تمثل نقطة توازن دقيقة، يسعى فيها صانع السياسة النقدية إلى تثبيت توقعات التضخم ومنع عودة الدولرة، وفى الوقت نفسه عدم خنق النمو الاقتصادى عبر الإبقاء على فائدة مرتفعة لفترة طويلة
هذه المعادلة تعنى أن تحركات الدولار المقبلة ستكون أقرب إلى «زحف محسوب» داخل نطاق محدود، بدلاً من الطفرات المفاجئة التى عايشها السوق فى سنوات سابقة، خاصة إذا استمرت تدفقات الاستثمار الأجنبى والإيرادات من مصادر مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين فى الخارج عند مستويات داعمة.
ماذا يعنى استقرار اليوم للمواطن والسوق؟
على مستوى المواطن العادى، يعكس ثبات سعر الدولار قرب مستويات ٤٧ جنيهًا قدرًا من الوضوح أمام المتعاملين فى السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج، مع تراجع نسبى فى حالة الترقب والقلق التى كانت تدفع البعض لتسريع قرارات الشراء خوفًا من موجات ارتفاع مفاجئة.
وبالنسبة للشركات، يوفر الاستقرار الحالى هامشًا أفضل للتخطيط المالى ووضع ميزانيات تستند إلى افتراضات أكثر واقعية بشأن تكلفة الدولار خلال الأشهر المقبلة، حتى وإن ظل سقف عدم اليقين قائمًا بفعل التطورات العالمية.
فى المقابل، يرى مراقبون للسوق أن الاستقرار «لا يعنى نهاية المخاطر»، فالمشهد العالمى لا يزال مرهونًا بتحركات أسعار الفائدة فى الاقتصادات الكبرى، والتوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار الطاقة، وهى جميعًا عوامل قد تضغط من جديد على عملات الأسواق الناشئة ومن بينها الجنيه المصرى.
لذا تبقى النظرة الغالبة أنها «هدنة» إيجابية فى سوق الصرف، لكنها تحتاج إلى استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتدفق العملة الصعبة حتى تتحول إلى مسار مستدام وليس مجرد مرحلة مؤقتة.
وبين أرقام مطمئنة على شاشات البنوك وتوقعات حذرة فى تقارير المؤسسات الدولية، يدخل الدولار فى مصر أسبوعًا جديدًا يبدأ اليوم الأحد ٨ فبراير ٢٠٢٦ على إيقاع استقرار حذر، يترقب خلاله الشارع الاقتصادى ما إذا كانت هذه المستويات الحالية مقدمة لمرحلة من الانفراج التدريجى، أم نقطة استراحة قبل جولة جديدة من إعادة التسعير.











