تتصدر الدبلوماسية الإماراتية هند العويس واجهة الجدل الدولي والإقليمي بعد تسريب وثائق ومراسلات ضمن ملفات الملياردير الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، كشفت عن علاقة ممتدة بينهما استمرت لقرابة ثلاث سنوات خلال فترة عملها في بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة، في تناقض حاد مع صورتها الرسمية كمسؤولة عن حقوق الإنسان وتمكين المرأة.
وبين رواية “دبلوماسية شابة صعدت في منظومة الأمم المتحدة” وروايات إعلامية تتهمها بالتورط الأخلاقي، تتحول “قصة هند العويس” إلى ملف ساخن يمس صورة الإمارات في مجال حقوق الإنسان والمرأة على الساحة الدولية.
من هي هند العويس رسميًا؟
هند عبد العزيز العويس دبلوماسية إماراتية التحقت بالسلك الدبلوماسي عام 2000، وعملت مساعدة خاصة لوزير الخارجية، ثم مستشارة وقائمة بالأعمال بالنيابة في البعثة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك.
في 2015، أصبحت أول إماراتية تشغل منصب مستشارة أولى في المقر الرئيسي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة بنيويورك، حيث عملت مع نائبة المديرة التنفيذية “لاكشمي بوري” ضمن ملف المساواة بين الجنسين والشراكات الاستراتيجية.
خلال هذه المسيرة، شاركت في عدد من المبادرات الدولية حول المرأة والأمن والسلم والتنمية المستدامة، وقدّمت باسم الإمارات كلمات رسمية في محافل مثل منتدى “الطاقة المستدامة للجميع” التابع للأمم المتحدة، مؤكدة التزام بلادها بقضايا الطاقة النظيفة وتمكين المرأة.
وفي 2024 ظهرت مجددًا بصفتها مديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات، حيث أطلقت ورش عمل مشتركة مع مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في بيروت، لتعزيز بناء القدرات في المجال الحقوقي.
ماذا تكشف وثائق إبستين عن علاقتها به؟
المنعطف الحاد في صورة هند العويس جاء مع نشر وثائق أمريكية ضمن ملفات جيفري إبستين، وتغطيات صحفية عربية وغربية، أبرزها تقارير تحدثت عن مراسلات متبادلة بين العويس وإبستين خلال الفترة بين 2010 و2013، حين كانت تعمل في بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة.
هذه الوثائق تشير إلى لقاءات متكررة في منزل إبستين في مانهاتن، ورسائل بريد إلكتروني تضمنت دعوات إلى لقاءات في بيروت ودبي، وتبادل هدايا ورموز “ودية” مثل تذاكر عروض برودواي وصناديق حلويات.
بعض المراسلات التي تداولتها منصات إعلامية ومنشورات ناشطين تضمنت عبارات اعتُبرت “صادمة”، مثل رسالة منسوبة للعويس تتحدث عن أن “إحضار فتاة واحدة أمر صعب، أما فتاتان فمن المؤكد أنه يعد تحديًا… قد نتأخر قليلًا”، في سياق يُفهم منه التنسيق لتلبية رغبات إبستين.
تقارير أخرى تحدثت عن أن المراسلات شملت ذكر شقيقتها “هلا العويس” في سياقات اجتماعية مرتبطة بإبستين، ما وسّع دائرة الجدل حول طبيعة العلاقة وحجم معرفة الطرفين بسجل الرجل الجنائي.
مع ذلك، تشير قراءة لبعض الوثائق الصحفية إلى أن كثيرًا من اللقاءات جرى تقديمه في الإطار “الشخصي والمهني”، عبر حديث عن “استشارات مالية ومشاريع مشتركة واتصالات بمؤسسات إماراتية”، دون ظهور أدلة قانونية قاطعة – حتى الآن – على تورط مباشر في جرائم الاستغلال الجنسي نفسها.
لكن مجرد ورود اسم دبلوماسية مسؤولة عن ملفات المرأة وحقوق الإنسان ضمن ملفات إبستين يكفي لخلق عاصفة سياسية وأخلاقية.
صدمة الرأي العام والسوشيال ميديا
تسريب هذه الوثائق أحدث صدمة واسعة في منصات التواصل، خاصة في الأوساط الخليجية والعربية المعارضة للسياسات الإماراتية، التي تلقفت اسم هند العويس كنموذج “فاضح” للتناقض بين خطاب رسمي عن تمكين المرأة وصون الكرامة الإنسانية، وبين علاقات دبلوماسية وشخصية مزعومة مع شخصية مدانة باستغلال القاصرات والاتجار بالبشر.
حسابات مؤثرة ووسائل إعلام معارضة أعادت نشر مقتطفات من الرسائل، ووصفت العويس بأوصاف حادة، مطالبة بفتح تحقيق دولي في دورها ومساءلة من منحها مناصب حساسة في الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان في بلدها.
في المقابل، يغيب حتى الآن أي رد رسمي واضح من جانب الحكومة الإماراتية أو الجهات الأممية التي عملت بها العويس، باستثناء استمرار ظهورها في منصبها الحقوقي داخل الدولة دون إعلان عن إجراءات مساءلة أو إعفاء، وهو صمت يزيد من حدة التساؤلات حول كيفية إدارة هذا النوع من الفضائح المرتبطة بصورة الدولة.
بعض الأصوات الإماراتية القريبة من الحكومة تحاول التقليل من شأن التسريبات بوصفها “حملة تستهدف سمعة الإمارات”، لكنها لا تقدم رواية تفصيلية مضادة حول المراسلات نفسها.
تأثير الفضيحة على صورة الإمارات وملف حقوق الإنسانتزامن تداول اسم هند العويس في وثائق إبستين مع مرحلة تحاول فيها الإمارات تعزيز موقعها على الساحة الدولية كدولة “قائدة” في مجالات المناخ والاستثمار والتمويل الأخضر، وفاعلة في آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
لذلك، يحمل الملف بعدًا يتجاوز شخص الدبلوماسية إلى صورة الدولة التي كلّفتها بتمثيلها في قضايا المرأة والمساواة والحقوق، ثم عيّنتها لاحقًا مديرة للجنة الدائمة لحقوق الإنسان.
خصوم أبوظبي يطرحون أسئلة من نوع: كيف يمكن لمسؤولة تظهر في مراسلات حميمية مع رجل اشتهر باستغلال الفتيات القاصرات أن تكون واجهة لمؤسسات تقول إنها تدافع عن المرأة وحقوق الإنسان؟
في المقابل، يرى باحثون أن الحكم النهائي يجب أن يستند إلى نتائج تحقيق قانوني مستقل يحدد بدقة طبيعة العلاقة وحدودها، بدلًا من الاكتفاء بحملات تشهير متبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على فتح تحقيق علني في الإمارات أو الأمم المتحدة بشأن دور هند العويس في ملفات إبستين، لكن حجم الضجيج الإعلامي قد يفرض – عاجلًا أو آجلًا – شكلًا من أشكال المراجعة أو “إدارة الضرر”، سواء عبر إعادة تموضعها أو الإبقاء عليها مع تعتيم إعلامي.
كما أن استمرار تسريب وثائق جديدة من أرشيف إبستين قد يكشف مزيدًا من الرسائل أو اللقاءات، ما يرفع كلفة الصمت على الأطراف المعنية.
في النهاية، تحوّلت هند العويس إلى عنوان مكثف لتناقضات اللحظة: دبلوماسية عربية تتحدث في نيويورك عن كرامة المرأة وحقوق الإنسان، بينما تُطاردها في الملفات المسربة عبارات عن “إحضار الفتيات” و“طلب المتعة” مع رجل ارتبط اسمه بأبشع قضايا الاستغلال الجنسي في العالم الحديث.
ما إذا كانت هذه القضية ستُطوى بهدوء أم ستفتح باب مساءلة أوسع حول العلاقة بين السلطة والمال والجسد في النخب الدولية، سيعتمد على مدى إصرار الإعلام والرأي العام على ملاحقة تفاصيل “فضيحة هند العويس” إلى نهايتها.











