تعيين الدكتورة جيهان زكي وزيرة جديدة للثقافة في التعديل الوزاري الأخير فتح عاصفة من الجدل في الأوساط الثقافية والحقوقية، بعد إعادة تسليط الضوء على حكم قضائي نهائي يدينها بانتهاك حقوق الملكية الفكرية لصالح الكاتبة والباحثة سهير عبد الحميد، وهو ما جعل كثيرين يتساءلون عن معيار الاختيار ومدى اتساقه مع رمزية المنصب الثقافي الأول في البلاد.
خلفية عن التعيين والجدل المصاحب
وافق مجلس النواب على التعديل الوزاري الجديد متضمناً ترشيح الدكتورة جيهان زكي لتولي حقيبة الثقافة خلفاً للدكتور أحمد فؤاد هنو، في إطار حزمة واسعة من التغييرات الحكومية استهدفت عدداً من الوزارات الرئيسية.
ويروج مؤيدو التعيين لصورة الوزيرة الجديدة باعتبارها أستاذة حضارة مصرية بارزة، تجمع بين خلفية أكاديمية متخصصة وخبرة في الدبلوماسية الثقافية وإدارة ملفات كبرى مثل المتحف المصري الكبير، إلى جانب حضورها البرلماني في مناقشة قضايا الثقافة والهوية.
لكن هذه السردية «اللامعة» اصطدمت سريعاً بواقع حكم قضائي موثق يعود إلى يوليو الماضي، أعاد ناشطون ومثقفون تداوله فور إعلان اسمها ضمن التعديل الوزاري، لتتحول لحظة التعيين المفترض أن تكون احتفالية إلى ساحة استجواب أخلاقي وقانوني حول مدى سلامة الاختيار.
تفاصيل قضية الملكية الفكرية والحكم القضائي
القضية التي تطارد جيهان زكي تعود إلى نزاع قضائي بينها وبين الكاتبة سهير عبد الحميد حول كتاب الأخيرة «اغتيال قوت القلوب الدمرداشية»؛ إذ تتهم عبد الحميد الوزيرة الجديدة بأنها نقلت أجزاء كبيرة من كتابها في مؤلف صدر لزكي عن الهيئة العامة للكتاب بعنوان «كوكو شانيل وقوت القلوب» دون إذن أو إشارة كافية إلى المصدر.
وبحسب حيثيات الحكم، أثبتت لجنة فنية انتدبتها المحكمة وجود اعتداء على حقوق الملكية الفكرية بنسبة تقديرية وصلت إلى نحو 50% من مضمون العمل المتنازع عليه، ما اعتبرته المحكمة تعدياً جوهرياً وليس مجرد تشابه عارض في الأفكار أو الصياغة.
انتهت المحكمة إلى إصدار حكم نهائي يقضي بـ«إعدام» كتاب جيهان زكي ومصادرته من الأسواق، مع إلزامها بدفع تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه لصالح الكاتبة سهير عبد الحميد عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بها جراء هذا الاعتداء.
كما برأت المحكمة عبد الحميد من تهم السب والقذف التي كانت زكي قد حركتها ضدها، وهو ما أعطى، في نظر كثيرين، ثقلاً إضافياً لرواية صاحبة الحق الأصلي حول ما تعرضت له من انتهاك.
صدمة في الوسط الثقافي وأسئلة عن المعايير
ردود الفعل داخل الوسط الثقافي جاءت حادة؛ إذ تساءل كتاب وحقوقيون عبر المنصات الرقمية: كيف تُسند وزارة مسؤولة عن حماية حقوق المؤلفين والإشراف على الهيئة العامة للكتاب لشخص أدانه القضاء صراحة بالاعتداء على الملكية الفكرية؟
وذكّرت أصوات معارضة بأن الجهة التي أصدرت كتاب زكي محل الحكم هي نفسها جزء من المنظومة التي ستشرف عليها الوزيرة الجديدة، ما يخلق – من وجهة نظرهم – تضارباً صارخاً بين الدور الرقابي المطلوب وسجلها القضائي السابق.
الكاتبة سهير عبد الحميد عبّرت عن صدمتها مما جرى، ووصفت تعيين زكي بأنه «قرار مؤلم ومحبط يفتقر لأبسط معايير العدالة والاحترام لحقوق المؤلف»، متسائلة كيف يمكن لمبدع مصري أن يشعر بالأمان على أعماله بينما تتولى «شخصية أُعدم كتابها بحكم قضائي» قيادة وزارة الثقافة.
هذا الخطاب لاقى صدى واسعاً بين ناشطين اعتبروا أن استمرار زكي في منصبها بعد انكشاف هذه التفاصيل يوجّه رسالة سلبية عن مكانة الملكية الفكرية في السياسات الرسمية.
مأزق سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدةوجود وزيرة على رأس الثقافة تحمل سجلاً قضائياً مرتبطاً بالسرقة الأدبية يضع التعديل الوزاري برمته تحت المجهر، ويطرح على الحكومة أسئلة صعبة تتجاوز شخص جيهان زكي إلى بنية آلية الاختيار نفسها، ومدى خضوعها لتدقيق قانوني وأخلاقي قبل الإعلان عن الأسماء.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات محتملة: إما صمت رسمي يراهن على مرور العاصفة الإعلامية، أو بيان دفاعي يحاول التشكيك في حيثيات الحكم والتقليل من خطورته، أو مراجعة سياسية تنتهي إلى استبعاد الوزيرة حفاظاً على صورة الحكومة أمام الداخل والخارج.
حتى لحظة كتابة هذا التقرير لم يصدر أي تعليق رسمي من مجلس الوزراء أو من الدكتورة جيهان زكي يوضح موقفهما من الحكم وآثاره على شرعية بقائها في المنصب، ما يترك الساحة لقراءات متضاربة بين من يرى أن الدولة تتجاهل عمداً ملفاً حرجاً، ومن يعتقد أن هناك مشاورات تجري في الكواليس لحسم مصير الوزيرة خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة.
في كل الأحوال، تبدو وزارة الثقافة، التي يفترض أن تكون عنواناً لاحترام الإبداع وحقوق المؤلفين، أمام اختبار مبكر وصعب، قد يحدد ما إذا كان التعديل الوزاري الجديد بداية لمرحلة أكثر صرامة في معايير الاختيار، أم استمراراً لنهج يغض الطرف عن «الفضائح» ما دامت لا تهدد توازن السلطة السياسي.











