أزمة تنظيم أم أزمة إدارة؟.. كواليس تهديد تأجيل أمم إفريقيا ٢٠٢٧ إلى ٢٠٢٨
تعيش كأس الأمم الإفريقية ٢٠٢٧ واحدة من أخطر أزماتها قبل أكثر من عام على موعدها المبدئي، بعد تسريبات وتقارير قوية تتحدث عن اتجاه داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم «كاف» لتأجيل البطولة إلى عام ٢٠٢٨ بسبب عدم جاهزية الدول المضيفة في شرق القارة، ما يضع مصداقية المنظومة الكروية الإفريقية أمام اختبار حقيقي جديد.
خلفية اختيار شرق إفريقيا واستبعاد ملفات أخرىكان قرار إسناد تنظيم كأس الأمم الإفريقية ٢٠٢٧ إلى ملف مشترك يضم كينيا وتنزانيا وأوغندا، تحت مسمى «بيد باموجا»، قد اعتُبر انتصارًا رمزيًا لمنطقة شرق إفريقيا التي غابت طويلًا عن استضافة الحدث القاري منذ نسخة إثيوبيا ١٩٧٦.
هذا القرار جاء على حساب ملفات منافسة من نيجيريا وبنين، إلى جانب انسحاب الجزائر في اللحظات الأخيرة، في وقت حُسمت فيه نسخة ٢٠٢٥ لصالح المغرب.
رئيس الكاف باتريس موتسيبي قدّم في حينه رؤية تقوم على توسيع قاعدة الاستضافة وعدم حصر البطولات في نفس الأقاليم والبلدان ذات البنية التحتية الجاهزة، مؤكدًا أن منح تنظيم ٢٠٢٧ لشرق إفريقيا يهدف إلى دفع عجلة تطوير الملاعب والمنشآت في المنطقة.
لكن هذه الرؤية الطموحة بدأت تصطدم بواقع تأخر الأعمال وعدم توافق ما هو موجود على الأرض مع متطلبات بطولة باتت تضم ٢٤ منتخبًا وتحتاج إلى ملاعب ومدن على أعلى مستوى.
تسريبات عن تأجيل محتمل إلى ٢٠٢٨مصادر متعددة في أروقة الكاف أشارت خلال الأيام الأخيرة إلى أن المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي سيناقش بجدية مقترحًا بتأجيل كأس الأمم ٢٠٢٧ إلى عام ٢٠٢٨، بما يعني عمليًا دمجها في الدورة الجديدة للبطولة التي أعلن موتسيبي من قبل أنها ستتحول إلى نظام كل أربع سنوات بدلًا من الإقامة كل عامين.
هذا التوجه، إذا تم اعتماده، سيؤدي إلى إلغاء نسخة كانت مخططة لعام ٢٠٢٨، وهو ما يضرب خطط دول أخرى مثل إثيوبيا وجنوب إفريقيا وبوتسوانا التي كانت تترقب الدخول في سباق تنظيم النسخة التالية.
التسريبات تفيد بأن النقاش لا يزال محتدمًا داخل الكاف بين تيار يرى أن إنقاذ صورة البطولة أهم من الإصرار على موعد غير واقعي، وتيار آخر يخشى أن يتحول تأجيل ٢٠٢٧ إلى سابقة جديدة تُضاف إلى سلسلة اضطرابات مواعيد البطولة في السنوات الأخيرة بسبب الارتباطات القارية والدولية ومشاكل الجدولة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا».
معضلة البنية التحتية في كينيا وتنزانيا وأوغنداجوهر الأزمة يتمثل في مدى استعداد الدول الثلاث لتوفير البنية التحتية المطلوبة في الوقت المحدد، إذ تشير تقارير إلى وجود فجوات كبيرة على مستوى الملاعب، وشبكات النقل، ومرافق الإقامة، فضلًا عن تحديات تنظيمية ظهرت بالفعل في بطولات قارية سابقة استضافتها المنطقة.
فكينيا وتنزانيا تمتلكان ملعبًا دوليًا واحدًا جاهزًا لكل منهما، بينما تعاني أوغندا من فجوة أكبر تجعل منتخباتها تلجأ أحيانًا لخوض مبارياتها على ملاعب خارجية.
التجارب الأخيرة زادت المخاوف؛ ففي بطولات مثل بطولة أمم إفريقيا للمحليين «شان» التي استضافتها هذه الدول، ظهرت أزمات في بيع التذاكر، والسيطرة على الجماهير، وتأمين الملاعب، في مشاهد أعادت للأذهان أسباب سحب تنظيم نسخة ٢٠١٨ من كينيا في وقت سابق بسبب «تراكم التأخيرات» في التجهيزات.
هذه المعطيات جعلت أصواتًا مؤثرة داخل الكاف تطرح سؤالًا مباشرًا: هل تمت الاستهانة بحجم التحدي عندما مُنح ملف ٢٠٢٧ لشرق إفريقيا؟
ضغوط سياسية ورسائل طمأنة من الحكومات
في المقابل، تحاول حكومات كينيا وتنزانيا وأوغندا إرسال رسائل طمأنة للكاف وللرأي العام الإفريقي بأن التجهيزات تسير في طريقها الصحيح، وأن ما تبقّى من وقت كافٍ لاستكمال الملاعب والمرافق المطلوبة.
رئيسة البرلمان في أوغندا كانت قد حذّرت في وقت سابق من أن البلاد قد تخسر حقوق الاستضافة إذا لم تتم تسوية ملفات التمويل والتنفيذ في مشاريع الملاعب، ما دفع الحكومة إلى تكثيف الاجتماعات وإعادة ترتيب الأولويات.
في تنزانيا، استعرض رئيس الوزراء مؤخرًا مراحل العمل في المنشآت المخصصة لأمم إفريقيا ٢٠٢٧، مشددًا على ضرورة مشاركة القطاع الخاص في التمويل واستغلال الحدث كمنصة لتحفيز الاقتصاد والسياحة.
هذه الرسائل تعكس إدراكًا رسميًا لخطورة فقدان البطولة، ليس فقط رياضيًا بل سياسيًا واقتصاديًا، إذ يُنظر إلى استضافة الكان بوصفها فرصة نادرة لوضع المنطقة تحت الأضواء الإفريقية والدولية.
أجندة مزدحمة وضغط من الأندية الأوروبية
تتداخل أزمة تنظيم ٢٠٢٧ أيضًا مع إشكالية مزدوجة تتعلق بأجندة المباريات الدولية وضغط الأندية الأوروبية الكبرى، حيث يشير محللون إلى أن أي تغيير جديد في موعد البطولة سيزيد من التوتر القائم أصلاً بين الكاف وتلك الأندية بسبب تزامن البطولات الإفريقية مع مراحل حاسمة في الدوريات الأوروبية.
ومع احتمالية مشاركة ما يصل إلى عشرة منتخبات إفريقية في كأس العالم المقبلة، تتعقد عملية ترتيب مواعيد التصفيات والبطولات القارية أكثر فأكثر.
هذه العوامل تجعل الكاف في موقف لا يحسد عليه؛ فالتأجيل سيُفهم على أنه اعتراف بالعجز عن فرض احترام روزنامة مستقرة، بينما الإصرار على موعد ٢٠٢٧ دون جاهزية حقيقية قد يؤدي إلى بطولة ضعيفة تنظيميًا وفنيًا، ما يهدد قيمة «الكان» التسويقية والإعلامية على المدى البعيد.
دروس من انسحاب ناميبيا وبوتسوانا
الأزمة الحالية تعيد إلى الواجهة تجربة ناميبيا وبوتسوانا، اللتين اضطرّتا إلى سحب ملفهما المشترك لتنظيم أمم إفريقيا ٢٠٢٧ سابقًا بسبب عجز مالي عن توفير استثمارات تُقدّر بمئات الملايين لتطوير الملاعب والبنية التحتية.
هذا الانسحاب عُدَّ وقتها إنذارًا مبكرًا حول حجم الأعباء التي تقع على كاهل الدول الساعية لاستضافة البطولة، لكن القرار لم يدفع الكاف إلى مراجعة عميقة لسياساته في توزيع الاستضافة أو في توفير آليات دعم مالي وفني أكثر قوة للدول المضيفة.
اليوم، يشعر جزء من الرأي العام الإفريقي بأن الاتحاد القاري يكرر نفس الأخطاء، من خلال منح الاستضافة لدول لديها طموح سياسي وشعبي كبير، لكن مواردها المالية ومشاريعها التنفيذية لا تزال دون المستوى المطلوب لحدث بهذا الحجم.
بين الحفاظ على صورة البطولة وإنقاذ مشروع شرق إفريقيافي المحصلة، تبدو أزمة تنظيم كأس الأمم الإفريقية ٢٠٢٧ اختبارًا مفصليًا لقدرة الكاف على الموازنة بين هدف «نشر كرة القدم وتطوير البنية التحتية في كل أرجاء القارة»، كما يردد موتسيبي، وبين ضرورة الحفاظ على مستوى تنظيمي يليق ببطولة هي الأهم في إفريقيا والأكثر جذبًا للرعاة والجماهير.
القرار المنتظر من المكتب التنفيذي، سواء بالتأجيل أو الإبقاء على الموعد مع تشديد الرقابة على ملف التجهيزات، لن يحدد فقط مصير نسخة واحدة من البطولة، بل قد يرسم ملامح مستقبل «الكان» في ظل الحديث المتزايد عن إطلاق دوري أمم إفريقي اعتبارًا من ٢٠٢٩ ليكون مصدر الدخل الرئيسي للكاف.
إلى أن يحسم هذا القرار، ستظل بطولة ٢٠٢٧ معلّقة بين حلم شرق إفريقي مشروع وطموح، وواقع لوجيستي ومالي معقد، في واحدة من أكثر الأزمات حساسية في تاريخ تنظيم كأس الأمم الإفريقية.










