يشهد سوق شهادات الادخار في مصر حالة إعادة تموضع واسعة منذ بداية 2026، بعد أن دفع البنك المركزي المصري البنوك الحكومية والخاصة إلى إعادة تسعير أو طرح شهادات جديدة بعوائد أقل من المستويات القياسية التي عرفها المواطنون في 2024 و2025، في إطار سياسة خفض أسعار الفائدة ومحاولة امتصاص الضغوط التضخمية واستعادة التوازن النقدي.
هذه التحركات انعكست مباشرة على المدخر المصري الذي اعتاد على عوائد تخطت 27%، ليجد نفسه اليوم أمام خريطة مختلفة تمامًا من المنتجات البنكية.
خلفية قرارات الفائدة وتمهيد الشهادات الجديدة
لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي كانت قد اتخذت في اجتماعاتها الأخيرة قرارًا بخفض أسعار العائد الأساسية بمقدار 1%، وهو ما أجبر كبار البنوك وعلى رأسها الأهلي ومصر على تعديل أسعار الفائدة على الشهادات القائمة وطرح صيغ جديدة بعوائد أقل نسبيًا وأكثر استدامة.
هذه الخطوة جاءت بعد موجة سابقة من الشهادات ذات العائد الفائق 27% سنويًا و23.5% شهريًا، التي طُرحت في يناير 2024 كأداة استثنائية لامتصاص السيولة، قبل وقفها نهائيًا مع تحسن نسبي في التضخم واتجاه السياسة النقدية نحو دورة خفض الفائدة.
المرحلة الحالية، وفق المتابعين، ليست مرحلة جذب سيولة بأي ثمن بقدر ما هي محاولة لإعادة ربط أسعار الفائدة على الشهادات بمستويات أقرب إلى الواقع الاقتصادي وقدرة الموازنة العامة على تحمّل تكلفة الفائدة المرتفعة.
ولذلك تبدو الشهادات الجديدة أقل إثارة من ذي قبل، لكنها أكثر توافقًا مع أهداف السياسة النقدية.شهادات بنك مصر بعد التعديل: «ابن مصر» و«القمة» و«يوماتي»بنك مصر، باعتباره أحد الأذرع الرئيسية لتطبيق توجهات البنك المركزي، أعلن حزمة تعديلات على شهاداته في نهاية 2025 وبداية 2026، شملت خفض العوائد على الشهادات القائمة وطرح دوريات جديدة لنفس المنتجات.
فقد تم خفض عائد شهادة «ابن مصر» الثلاثية المتناقصة ذات العائد الشهري ليصبح 20.5% في السنة الأولى و16.25% في الثانية و12.25% في الثالثة، بعد أن كانت هذه النسب أعلى في الإصدارات السابقة
وفي محاولة للحفاظ على جاذبية الشهادة، طرح البنك دورية جديدة من «ابن مصر» بعائد سنوي متناقص يُصرف مرة كل عام، يبدأ بـ22% في السنة الأولى ثم 17.5% في الثانية و13.25% في الثالثة، مع الإبقاء على نفس الشروط العامة من حيث الحد الأدنى 1000 جنيه وإمكانية الاسترداد بعد 6 أشهر.
هذه الصيغة تستهدف المدخر الذي لا يحتاج إلى دخل شهري، ويفضل تراكم العائد سنويًا مقابل نسبة أعلى نسبيًا في البداية.أما شهادة «القمة» الثلاثية ذات العائد الثابت، فقد تراجع عائدها إلى 16% سنويًا بدلًا من 17%، مع صرف شهري للعائد وحد أدنى 1000 جنيه، لتصبح خيارًا أقل مخاطرة وأقل عائدًا في الوقت نفسه.
في المقابل، أبقى البنك على شهادة «يوماتي» ذات العائد المتغير اليومي، والتي يقترب عائدها من 20% ويتحرك صعودًا أو هبوطًا تبعًا لقرارات البنك المركزي بشأن الفائدة الأساسية، ما يجعلها مرآة شبه مباشرة للسياسة النقدية.
البنوك الأخرى: بلاتينية متدرجة وشهادات بعائد مجمّعالبنك الأهلي المصري تحرك في الاتجاه نفسه، فخفض العائد على الشهادة البلاتينية الثابتة لأجل 3 سنوات إلى 16% سنويًا بدورية صرف شهرية، بعد أن كانت 17%، في انسجام واضح مع قرارات المركزي بخفض الفائدة.
كما أعاد تصميم الشهادة البلاتينية ذات العائد المتدرج، لتمنح 21% في السنة الأولى ثم 15.25% في الثانية و12% في الثالثة، بحيث يحصل العميل على عائد أعلى في بداية مدة الشهادة مقابل تناقص تدريجي يعكس توقعات بانخفاض مستويات الفائدة مستقبلًا.
وخارج البنوك الحكومية، برزت شهادات ادخار بعوائد «مجمعة» أو مقدَّمة، من بينها شهادة بعائد تراكمي يعادل 37.5% عن ثلاث سنوات، يُصرف مقدمًا عند بداية ربط الشهادة، مع حد أدنى كبير للشراء يبلغ 100 ألف جنيه ومضاعفات 10 آلاف جنيه، واسترداد غير مسموح به قبل مرور 6 أشهر.
هذه المنتجات تستهدف شريحة المدخرين الكبار، وتقدم لهم عائدًا اسميًا جذابًا مقابل تجميد مبالغ كبيرة نسبيًا في ظل حالة عدم اليقين بالسوق.منطق المركزي: خفض التكلفة وتحجيم الدولرةقراءة توجهات البنك المركزي تشير إلى أن الشهادات ذات العائد الفائق كانت أداة مؤقتة لالتقاط السيولة من السوق وتهدئة الطلب على الدولار والذهب في ذروة الأزمة، لكنها لم تكن قابلة للاستمرار دون كلفة ضخمة على النظام المصرفي والمالية العامة.
مع تراجع نسبي للتضخم وتحسن تدفقات العملة الصعبة، أصبح من المنطقي خفض العوائد، مع الإبقاء على مستوى جاذب يكفي لمنع عودة موجة «الدولرة» أو هروب السيولة إلى قنوات غير رسمية.
لكن من جهة أخرى، يتهم بعض الخبراء السياسات الجديدة بأنها تنقل عبء الضبط المالي إلى المدخر الصغير والمتوسط، الذي يجد نفسه أمام شهادات بعائد اسمي أقل كثيرًا من موجة الـ27% السابقة، بينما لا تزال الأسعار في السوق مرتفعة، ما يعني تآكلًا في القوة الشرائية للعائد الفعلي.
هذا التناقض يفسر استمرار بحث جزء من المواطنين عن بدائل في الذهب والعقار وحتى المضاربة المحدودة في الدولار، رغم محاولات البنوك تقديم منتجات متنوعة.
المدخرون بين الشهادات والذهب والدولارفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يقف المدخر المصري أمام ثلاثة مسارات رئيسية: البقاء في الشهادات بعائد متناقص لكن مضمون، أو التحول إلى الذهب الذي يظل ملاذًا آمنًا لكن متقلب السعر، أو المغامرة في الدولار حيث تخضع القرارات لعوامل سياسية واقتصادية داخلية وخارجية
الشهادات الجديدة التي أطلقتها البنوك بتوجيه من المركزي تقدم عوائد تتراوح غالبًا بين 16% و22% في السنة الأولى، لكنها أقل كثيرًا من القفزات السابقة، ما يدفع المدخر إلى إعادة حساباته وفق أفقه الزمني وقدرته على تحمل المخاطرة.
النتيجة أن شهادات البنك المركزي «الجديدة» لم تعد مجرد أداة ادخار سهلة كما كانت في سنوات الذروة، بل تحولت إلى جزء من معركة أوسع لضبط الاقتصاد، يدفع ثمنها مدخر يحاول الحفاظ على قيمة أمواله بين فوائد تتراجع وأسعار لا تهبط بالسرعة نفسها.
وفي انتظار ما ستسفر عنه اجتماعات السياسة النقدية المقبلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكفي هذه الشهادات لإقناع المصريين بالتمسك بالجنيه، أم أن الكفة ستعود تدريجيًا لمصلحة الذهب والدولار؟










