الدولار مربوط في السعودية… استقرار مصطنع أم إنقاذ حقيقي لجيوب المواطنين؟
يشهد سعر الدولار في السعودية اليوم الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ حالة من الاستقرار شبه التام أمام الريال السعودي، مع استمرار تداول العملة الأمريكية في النطاق التاريخي قرب مستوى ٣٫٧٥ ريال للدولار الواحد في السوق الرسمية والبنوك.
ويأتي هذا الثبات امتدادًا لسياسة نقدية طويلة الأمد تنتهجها المملكة تقوم على ربط الريال بالدولار عند مستوى ثابت تقريبًا، ما يجعل أي تحركات في السعر أقرب إلى «هامش فني» لا يلتقطه المواطن العادي في حياته اليومية.
بحسب بيانات منصات تتبع أسعار الصرف التاريخية، تحرك الدولار خلال فبراير ٢٠٢٦ في نطاق ضيق للغاية بين نحو ٣٫٧٤٩٧ و٣٫٧٥٠٦ ريال، وهو ما يعكس تمسك السلطات النقدية في المملكة بسعر شبه ثابت يحافظ على استقرار القدرة الشرائية داخل السوق المحلية.
هذا النطاق المحدود يؤكد أن البنوك والصرافات في السعودية تعمل ضمن هوامش بسيطة للغاية حول السعر الرسمي، بعيدًا عن القفزات الحادة التي تشهدها عملات دول أخرى في المنطقة.
ماذا تعني أرقام اليوم للمواطن والمستثمر؟عمليًا، يعني ثبات الدولار قرب ٣٫٧٥ ريال أن المواطن السعودي لا يواجه تقلبات مفاجئة في تكلفة السلع المستوردة المسعّرة بالعملة الأمريكية، من الغذاء وحتى الإلكترونيات والسيارات.
فمعظم الواردات العالمية مقومة بالدولار، وبالتالي فإن استقرار سعره أمام الريال يحدّ من انتقال صدمات أسعار الصرف إلى فاتورة الشراء في المتاجر والأسواق.
أما للمستثمرين والشركات، فيوفر هذا الاستقرار بيئة مريحة للتخطيط المالي، إذ يمكن وضع موازنات لعام كامل تقريبًا من دون الحاجة لإعادة تسعير العقود أو مراجعة التكاليف بسبب تغيّرات مفاجئة في سعر الصرف.
كما يسهل هذا الربط الثابت جذب الاستثمارات الأجنبية، لأن المستثمر الخارجى يعرف مسبقًا أن تحويل أرباحه بالدولار أو بالريال لن يتعرض لهزات حادة على مستوى سعر العملة.
خلفية: سياسة الربط وسعر ٣٫٧٥ ريالالاستقرار الذي يراه المتابع اليوم في شاشة «الدولار/الريال» ليس صدفة، بل هو نتيجة سياسة ربط العملة المطبقة منذ عقود، والتي جعلت الدولار يدور حول متوسط ٣٫٧٥ ريال مع اختلافات من مئات الألف من الريال صعودًا أو هبوطًا على مدار السنوات.
وتشير بيانات ٢٠٢٦ حتى الآن إلى أن متوسط سعر الدولار أمام الريال يدور حول ٣٫٧٥٠٣ ريال، مع أعلى مستوى قرب ٣٫٧٥٢٣ وأدنى مستوى حوالى ٣٫٧٤٩٥، وهي فروق طفيفة لا تكاد تُذكر بالمقاييس العالمية.
هذه السياسة تجعل العملة السعودية واحدة من الأكثر استقرارًا بين عملات الأسواق الناشئة، خصوصًا في ظل تقلبات تشهدها عملات أخرى متأثرة بقرارات الفيدرالي الأمريكي وبتحركات رؤوس الأموال الساخنة.
وبينما تعاني دول عديدة من ضغوط متكررة على عملاتها كلما ارتفعت أسعار الفائدة أو تراجعت شهية المخاطرة، يظل الريال السعودي محميًا بفضل احتياطيات قوية وعوائد نفطية كبيرة وارتباط محسوب بالدولار.
تأثير تقلبات العالم الخارجي على سعر اليوم
خلال الشهور الماضية، شهد الدولار عالميًا موجات صعود وهبوط مرتبطة بتوقعات الفائدة الأمريكية وبيانات التضخم والنمو في الولايات المتحدة، إلا أن انعكاس هذه التحركات على زوج الدولار/الريال كان محدودًا للغاية، وظل محصورًا داخل هوامش ضيقة جدًا.
فعلى الرغم من أن العملة الأمريكية قد تضعف أو تقوى أمام اليورو والين والجنيه الإسترليني، فإن علاقتها بالريال تبقى «مؤطرة» بسقف وأرض شبه ثابتين بفضل سياسة الربط.
هذا الوضع يخلق مفارقة يلمسها المتابع للأسواق: تقارير دولية تتحدث عن ارتفاعات أو تراجعات قوية في مؤشر الدولار أمام سلة من العملات، بينما المتعامل في السعودية لا يلحظ أي تغيير يُذكر في شاشة التحويل داخل المصرف أو شركة الصرافة.
هنا يبدو الدولار في المملكة كما لو أنه «منفصل جزئيًا» عن ضجيج سوق العملات العالمي، محكومًا بقواعد داخلية أكثر منه بموجات المضاربة السريعة.
هل الاستقرار ميزة مطلقة أم محل جدل؟
رغم أن استقرار الدولار اليوم عند حدود ٣٫٧٥ ريال يبعث برسالة طمأنة للأسواق والمستهلكين، فإن أصواتًا اقتصادية ترى أن الربط الصارم قد يقلص هامش مرونة السياسة النقدية السعودية في التعامل مع بعض الصدمات الخارجية.
أنصار هذا الرأي يعتقدون أن سعر الصرف الأكثر مرونة يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الأزمات من خلال تحركات منظمة في قيمة العملة بدلًا من تحميل الاقتصاد الداخلي عبء التعديل بالكامل.
في المقابل، يدافع فريق واسع من الخبراء عن استمرار الربط، مشيرين إلى أن استقرار سعر الصرف كان أحد العوامل الرئيسية في جذب الاستثمارات، وضبط التضخم، وحماية دخول المواطنين من تقلبات الأسواق العالمية، لا سيما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
وبين هذين الموقفين، تمضي المملكة حتى اليوم في ترسيخ نموذج «الاستقرار أولًا» مع مراقبة دقيقة لتطورات الاقتصاد العالمي وإمكانات التطوير المستقبلي لسياستها النقدية إذا اقتضت الظروف.
في المحصلة، يدخل سعر الدولار في السعودية تعاملات اليوم ١١ فبراير ٢٠٢٦ محافظًا على هدوئه المعهود أمام الريال، ليبقى الرقم ٣٫٧٥ تقريبًا هو العنوان الأبرز لشاشة الصرف، وسط عالم تموج فيه أسعار العملات بتقلبات يومية حادة، بينما تختار المملكة طريق الاستقرار كجزء أصيل من استراتيجيتها الاقتصادية طويلة الأمد.










