عودة دبلوماسية محسوبة تفتح بوابة النفوذ الاقتصادي وتعيد رسم خريطة التنافس الدولي
طرابلس-المنشر_الاخباري
بعد سنوات من الغياب الحذر، عادت الصين إلى المشهد الليبي عبر إعادة فتح سفارتها في ليبيا ,في خطوة تبدو للوهلة الأولى دبلوماسية، لكنها في جوهرها تعكس تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا في مقاربة بكين لبلد يُعد أحد أكثر الملفات تعقيدًا في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.
التحرك الصيني لا يأتي في فراغ، بل في لحظة دولية حساسة تتقاطع فيها أزمات الطاقة العالمية، وتراجع الانخراط الغربي المباشر في بعض ساحات النزاع، مقابل صعود سياسة “النفوذ الهادئ” التي تعتمدها بكين في مناطق الاضطراب.
ليبيا في الحسابات الصينية: أكثر من دولة نفطية
بالنسبة للصين، لا تُختزل ليبيا في كونها دولة غنية بالنفط فحسب، رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، بل تمثل عقدة جيوسياسية نادرة:
• موقع استراتيجي يربط أفريقيا بأوروبا
• واجهة بحرية طويلة على المتوسط
• بوابة محتملة لمشاريع لوجستية عابرة للقارات
هذه العناصر تجعل ليبيا مرشحة لأن تتحول، في الرؤية الصينية، إلى حلقة متقدمة في شبكة المصالح الممتدة من أفريقيا إلى جنوب أوروبا، خصوصًا في ظل مساعي بكين لتأمين طرق بديلة للتجارة والطاقة بعيدًا عن الممرات التقليدية عالية المخاطر.
لماذا الآن؟ من منطق المخاطرة إلى حساب الفرصة
إغلاق السفارة الصينية في طرابلس عام 2014 جاء نتيجة تدهور أمني شامل، لكن عودتها اليوم تعني أن بكين باتت ترى المشهد الليبي أقل فوضوية مما كان عليه، أو على الأقل قابلًا للإدارة.
الصين لا تنتظر حلولًا سياسية نهائية، بل تعتمد على مبدأ “الاستقرار الكافي للاستثمار”، أي الحد الأدنى من الأمن الذي يسمح بوجود دبلوماسي، واتصالات مباشرة، وتمهيد الطريق أمام الشركات الحكومية والخاصة.
هذا التحول يعكس أيضًا إدراكًا صينيًا بأن مرحلة ما بعد الصراع – حتى وإن كانت طويلة ومجزأة – تفتح فرصًا اقتصادية أكبر من مرحلة الحرب المفتوحة.
النفط أولًا… ثم الإعمار
النفوذ الصيني في ليبيا يُبنى على محورين متوازيين:
أولًا: الطاقة
الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، تبحث باستمرار عن مصادر مستقرة ومتنوعة. ليبيا، بإنتاجها القابل للزيادة وتكلفة استخراجها المنخفضة، تمثل هدفًا جذابًا.
الحضور الدبلوماسي يسهل:
• إعادة تفعيل عقود مجمدة
• دخول شركات صينية كمقاولين أو شركاء تقنيين
• ضمان موطئ قدم في أي ترتيبات مستقبلية لقطاع الطاقة
ثانيًا: إعادة الإعمار
البنية التحتية الليبية تضررت بشدة خلال أكثر من عقد من الصراع. هنا تبرز الشركات الصينية بخبرتها في:
• الطرق والجسور
• الإسكان
• الكهرباء والموانئ
وتعتمد بكين في ذلك على نموذج “التمويل مقابل التنفيذ”، وهو نموذج مغرٍ لدولة تعاني شح السيولة والانقسام المؤسسي.
دبلوماسية بلا شروط… سلاح الصين الناعم
على عكس القوى الغربية، لا تربط الصين تعاونها الاقتصادي بشروط سياسية أو إصلاحات داخلية. خطابها القائم على “عدم التدخل” و”احترام السيادة” يمنحها قدرة على التواصل مع أطراف متناقضة دون أن تُتهم بالانحياز الصريح.
هذا النهج يجعل بكين لاعبًا مقبولًا لدى:
• الحكومات المتعاقبة
• الفاعلين الاقتصاديين المحليين
• حتى بعض الأطراف المتنافسة التي تبحث عن شريك لا يفرض أجندة سياسية
رسائل صامتة لواشنطن وأوروبا
عودة الصين إلى ليبيا تحمل رسائل غير مباشرة للغرب، مفادها أن بكين لن تترك فراغات استراتيجية غير مستثمرة. ففي وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة وأوروبا بملفات أوكرانيا والشرق الأوسط، تتحرك الصين بخطى بطيئة لكنها ثابتة لتوسيع نفوذها في أفريقيا والمتوسط.
ليبيا، في هذا السياق، قد تتحول إلى ساحة تنافس ناعم بين نماذج مختلفة للنفوذ:
نفوذ غربي سياسي – أمني، مقابل نفوذ صيني اقتصادي – استثماري.
هل تنضم ليبيا إلى مسار “الحزام والطريق”؟
رغم غياب إعلان رسمي، فإن كثيرًا من المؤشرات توحي بأن الصين ترى ليبيا كجزء محتمل من امتدادات مبادرة الحزام والطريق , خاصة إذا ما استقرت خطوط النقل والطاقة.
لكن هذا السيناريو يظل مرهونًا بعامل حاسم: قدرة ليبيا على تجنب الانزلاق مجددًا إلى صراع شامل قد يبدد أي حسابات اقتصادية.
الخلاصة: نفوذ طويل النفس في أرض غير مستقرة
الصين لا تراهن على ليبيا كنجاح سريع، بل كمشروع طويل الأمد. عودة السفارة ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
بكين تدخل المشهد بهدوء، تستثمر في الفرص، وتتفادى الألغام السياسية، مدركة أن من يزرع حضوره الآن، سيحصد النفوذ لاحقًا.
وفي بلد اعتاد على التدخلات الصاخبة، قد يكون هذا الهدوء أخطر أشكال الحضور.












