صمت محسوب وتصريحات مقتضبة في البيت الأبيض تعكس تعقيدات الدبلوماسية الأمريكية-الإسرائيلية تجاه إيران واستراتيجيات المناورة خلف الكواليس
واشنطن – المنشر الإخبارى
لم تكن القمة السابعة بين الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في البيت الابيض مجرد لقاء بروتوكولي جديد يضاف إلى سجل العلاقات الثنائية، بل بدت محطة دقيقة في مسار إقليمي بالغ الحساسية، حيث يتقاطع مسار التفاوض مع إيران مع حسابات الردع العسكري، وسط انقسام واضح داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
صمت ثقيل… ورسائل متعددة الاتجاهات
على غير العادة، خرجت القمة ببيانات مقتضبة خالية من أي إعلان حاسم. لا اتفاق جديد، ولا تحديد لخطوط حمراء، ولا حتى جدول زمني واضح. هذا الغياب لم يكن عفويًا، بل عكس — بحسب تقديرات مراقبين — خيارًا متعمدًا لتفادي تقييد هامش المناورة السياسية.
ترامب تحدث بلغة محسوبة، أشار إلى استمرار المفاوضات دون أن يمنحها صك ثقة مطلق، ولوّح ضمنيًا بإمكانية الانتقال إلى خيارات أخرى إذا لم تحقق الدبلوماسية نتائج ملموسة. أما نتنياهو، فاختار التركيز على “التنسيق الأمني الكامل” و”الالتزام بأمن إسرائيل”، من دون الدخول في تفاصيل قد تُفهم كضغط علني على الإدارة الأمريكية.
معركة داخل واشنطن قبل أن تكون مع طهران
الملف الإيراني لم يعد مجرد صراع أمريكي–إيراني، بل أصبح ساحة تجاذب داخل الإدارة الأمريكية نفسها. فهناك تيار يرى أن التوصل إلى اتفاق مُحكم قد يحقق مكاسب استراتيجية ويجنب المنطقة انفجارًا واسعًا، مقابل تيار آخر يعتبر أن أي تنازل من طهران سيكون تكتيكيًا ومؤقتًا.
نتنياهو يدرك هذه المعادلة جيدًا. لذلك لم يكن هدفه فرض موقف متشدد بقدر ما كان السعي إلى التأثير في صياغة القرار قبل أن يتحول إلى سياسة رسمية. تحركاته المكثفة في واشنطن — عبر لقاءات جانبية مع شخصيات نافذة ومراكز مؤثرة — عكست محاولة لضمان أن تبقى الرؤية الإسرائيلية جزءًا من الحسابات الأمريكية النهائية.
بين اختبار النوايا واستعراض القوة
البيت الأبيض يبدو حاليًا في مرحلة “اختبار نوايا” إيرانية، لا سيما فيما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم ومستوى المخزون المتراكم. غير أن هذا الاختبار يجري تحت مظلة ردع عسكري واضح، عبر انتشار قوات إضافية واستعراض جاهزية عملياتية في المنطقة.
الرسالة الأمريكية مزدوجة:
• الدبلوماسية ما زالت مطروحة على الطاولة.
• لكن الوقت ليس مفتوحًا بلا سقف، والبدائل قائمة.
في المقابل، تحرص إسرائيل على عدم الظهور بمظهر المعرقل لمسار تفاوضي، لكنها في الوقت ذاته لا تريد اتفاقًا تعتبره “ناقصًا” أو يسمح لطهران بالمماطلة.
حسابات انتخابية واستراتيجية
لا يمكن فصل هذه القمة عن السياق السياسي الأوسع. ترامب يسعى إلى تقديم نفسه كزعيم قادر على تجنب الحروب المكلفة دون التفريط في الهيبة الأمريكية. أي اتفاق محتمل سيُسوَّق داخليًا كإنجاز دبلوماسي، بينما سيُستخدم التهديد العسكري كورقة ضغط وليس كخيار أول.
أما نتنياهو، فيتحرك ضمن معادلة داخلية معقدة، حيث يحتاج إلى إثبات أنه لا يمنح إيران مساحة للمراوغة، وفي الوقت ذاته يحافظ على عمق الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
ثلاثة مفاتيح للمرحلة المقبلة
المؤشرات القادمة ستتوقف على ثلاثة عناصر أساسية:
1. مستوى التنازلات الإيرانية الفعلية في ملف التخصيب والرقابة الدولية.
2. مدى إدراج برنامج الصواريخ ضمن إطار تفاوضي واضح بزمن محدد.
3. درجة مصداقية الردع الأمريكي ميدانيًا، لا سيما عبر الانتشار العسكري والاستعداد العملياتي.
صمت اليوم… تصعيد الغد؟
القمة السابعة لم تُنهِ الجدل، بل عمّقته. الصمت الذي سيطر على المشهد لم يكن علامة ضعف، بل مؤشرًا إلى أن المفاوضات لم تصل بعد إلى نقطة الحسم. وفي عالم تتغير فيه المواقف بتغريدة أو تسريب، قد يكون الامتناع عن الكلام هو الاستراتيجية الأكثر جرأة.
بين التفاوض والردع، تتحرك واشنطن وتل أبيب على حافة دقيقة: لا تريدان حربًا شاملة، ولا تقبلان اتفاقًا هشًا. وفي هذه المساحة الرمادية، تُصاغ القرارات الكبرى بعيدًا عن الكاميرات، فيما تبقى المنطقة بأسرها رهينة لما ستسفر عنه جولات الصمت المقبلة.










